إني من الناس الذين يرون أن الناس جميعًا متكافئون في الإمكانات الطيبة المتفاوتة، وأن هذه الإمكانات في تكافئها متتامة، وأنها بمثابة السبل أو الطرق الصاعدة. فأردد مع صوفي قديم قوله:"الطرق إلى الله بعدد نفوس بني آدم". وعلى كل منا أن يجد طريقه الصاعد الخاص به نحو التقدم والعلاء، ونحو التكامل والنماء.
ويكاد يكون هذا القول متضمنًا في الحديث الشريف:"كلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له". أي مهيأٌ لما خُلق له قابل له. فالتعدد في الطريق مؤدٍّ إلى الوحدة والتباين سبب الالتئام، والاختلاف داع إلى الاتفاق.
وإنما الإنسان بالأخوان
وإني لأشعر كأنما كلفتموني تلقاء هذا الحفل أن أعرض عليكم ثبتًا بمراحل من تكرمونه مرسومة بقلمه في مقابل ما سمعتموه كالدرر من أفواه أحبته وخلصائه. وأرجو أن أكون موضوعيًا ما استطعت، ومفيدًا ما تيسرت لي الإفادة. وفي حياة كل امرئ عظة وعبرة وفائدة وتجربة. ... عن علم مسألة لكي أزدادها
نشأ في طولته مهملًا بين أخوته إذ كان أقل منهم ذكاءً عمليًا. فلم يكن أهلوه يكلفونه شراء سلعة أو شيء ما من حوانيت الحي القريب. ولكنهم كانوا يحبونه لبساطته ولحساسيته المفرطة ولحيائه العميق الذي كاد أن يكون مَرَضيًّا.
ولما كان قد وصل إلى سن التعليم أرسله والده إلى الكتّاب القريب في الحي.
وكان شيخ الكتّاب مشهورًا بشدته وقسوته كما شهر بمهارته في فنون الخط العربي. وقد أسبل هذا الجو القاسي الشديد على دماغ فتانا سترًا صفيقًا دون الوصول إلى تهجّي الأبجدية التي كانت مكتوبة بخط الشيخ. وشهر بين رفاقه الصغار وعند أخيه الذي كان يدرسه الأبجدية في الكتاب بلفظ كان شائعًا بين التلامذة إذ ذاك، وهو أنه طرماخ.