ولكن هذه الجنة مال سكانها إلى النعيم وأخلدوا إلى الترف وركنوا إلى التخاذل ثم تبع ذلك التنازع والشقاق والاستئثار وقلة النسل على حين كان الجلالقة يتمتعون بذلك النعيم ويتعلمون الصنائع المدنية والعسكرية ويتكاثرون بسبب مستواهم الثقافي والمعاشي الذي كان أدنى من مستوى المسلمين كذلك تسرّب خلل وتشتت في آراء العلماء الذين كانوا يتقربون من الولاة والملوك ويوحون إليهم باتجاهاتهم الدينية وبتضييق الأمر على غيرهم. لقد عمل المرابطون على إذاعة مذهب الإمام مالك في البلاد، وجاء الموحدون فعملوا على محو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة واهتموا حينًا بعلم الكلام، ثم اتجه الاهتمام نحو الاقتصار على الأخذ بالكتاب والسنة والابتعاد عن علم الفروع جملة نظرًا لتعدد المسائل وتشعبها. وبعد تقريب العلماء والفلاسفة في زمن أبي يعقوب يوسف الأول تغير الأمر في زمن خلفه أبي يوسف يعقوب الذي تولى الحكم بين 580/1148 و 595/1199 فتنكر للفلاسفة ولأهل الرأي ووقعت في زمنه محنة ابن رشد إذ أبعد من قرطبة شر إبعاد بل أمر الملك بإحراق كتب الفلسفة كلها إلا ما كان من الطب والحساب وعلم الهيئة. هذا كله إلى زيادة قوة الجلالقة وتربصهم ببلاد الأندلس. لقد كانت جيوش الفرنجة تتألف من بعض المسلمين، وكانت جيوش المسلمين تتألف من بعض الفرنجة. فلم يكن هنالك إلا منافع فردية عاجلة ولهاث وراء المال والذهب وحرص على التمتع بأسباب الرفاهية والمدنية. وكان اليهود يمالئون المسلمين لأن هؤلاء كانوا حماتهم ومعلميهم. ... مسعاهم لاقتناص المال والنشب