أما الشأو المراد فكما رأيت أيها القارئ الكريم آنفًا وأول الأمر هو بيان أسرار الحكمة المشرقية. وذلك أن علماء الإسلام ومفكريه قرروا أن السعادة العظمى والمرتبة العليا للإنسان هي معرفة الصانع بما له من صفات الكمال والتنزه عن النقصان بما صدر عنه من الآثار والأفعال في النشأة الأولى وفي الآخرة، وبالجملة معرفة المبدأ والمعاد. والطريق إلى هذه المعرفة من وجهين: أحدهما طريقة أهل النظر والاستدلال، وثانيهما طريقة أهل الرياضة والمجاهدات. السالكون للطريقة الأولى إن التزموا ملّةً من ملل الأنبياء عليهم السلام فهم المتكلمون، وإلا فهم الحكماء المشاؤون أصحاب النزعة العقلية الجارون على نسق فلسفة أرسطو.
والسالكون للطريقة الثانية إن وافقوا في رياضتهم ومجاهداتهم أحكام الشرع فهم الصوفية، وإلا فهم أهل الحكمة المشرقية أو الحكماء الإشراقيون.
وهكذا تكون الحكمة المشرقية أو حكمة الإشراق من الفلسفة بمنزلة التصوف من العلوم الإسلامية، كما أن الحكمة الطبيعية الإلهية منها بمنزلة عدم الكلام من تلك العلوم الإسلامية.
أراد ابن طفيل أن يجعل حي بن يقظان وهو متوحد في الجزيرة يسلك طريقة أهل النظر والاستدلال شيئًا فشيئًا ويترقى بقوته النظرية حتى بلغ أعلى مرتبة فيها. ثم يشعر بقصورها بعض الشيء فيجعله المؤلف يسلك طريقة أهل الرياضة والمجاهدات ليشاهد ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ويدرك"أن ليس ثم شيء إلا ذات الحق وأن ذلك بمنزلة نور الشمس الذي يقع على الأجسام الكثيفة فتراه يظهر فيها"ويعلم أن ذلك من قبيل التشبيه وأن ما وصل إليه يعجز اللسان والبيان عن وصفه وإيضاحه. ثم ينظر إلى جميع الأشياء والكائنات في إشراق نور الحق.