فهرس الكتاب

الصفحة 12332 من 23694

كانت تلك المتنزهات ثلاثة مواضع متقاربة: بساتين القراونة جنوب حي الأمين والشاغور ويقصدها الشبان في الأمسيات والليالي المقمرة، فيحملون إلى هناك عدة القصف والسمر: بابور الكاز. إبريق الشاي وكؤوسه. وربما حمل أحدهم من منزله حاكيًا"فونوغرافًا"صغيرًا نقالًا مع أسطواناته.. وربما آثر بعضهم أن يشرب العرق بدل الشاي أو القهوة.

.. الآن درست هذه البساتين، وكان بينها بستان الذهبي الذي استشهد فيه حسن الخراط عام 1925، وقام مكانها ما يسمى: المنطقة الصناعية.. حيث يندر أن يرى الإنسان غصنًا أخضر.

وحديقة الصوفانية، غير بعيد عن سور دمشق، حيث ينقسم أحد فروع بردى قسمين يحيطان بالحديقة من جانبيها.

وكان لأمي رحمها الله، وإحدى خالاتي، ولع خاص في تناول قهوة الصباح في هذه الحديقة، وكانت تصحبني معها لأحمل السلة التي تحتوي على أدوات القهوة.. وبعض الطعام للإفطار.

.. وما تزال الحديقة على حالها تقريبًا، غير أن حالة النهر المتردية جعلت زيارتها غير مستحبة..

.. وكان هناك أخيرًا، ضفاف فرع آخر من بردى، عند جامع الشيخ رسلان.. وقد كان المتنزهون ينتشرون هناك.. حاملين معهم، كما هي عادة الدمشقيين، كل ما يمكن أن يحتاجوا إليه في مثل هذه النزهة.. أما نحن الأولاد، فقد كانت لنا تسليتنا المستحبة، مع أسراب البطّ التي كانت تسبح في النهر ذاهبة آيبة.. تتلقى الطعام الذي نقذفه نحوها.. وربما جاء بعضنا بشبكة صغيرة، حاول بها أن يصطاد بعض السمك..

ما يزال بردى يمر من هناك.. ولكن لم يبق مكان للنزهة عند الضفاف.. وتلاشت الأشجار التي كانت تبسط ظلالها الوارفة على المتنزهين.. واختفت أسراب البط الأبيض تمامًا.. ومع الروائح غير المستحبة المنبعثة من النهر اختفى السمك أيضًا.. من يستطيع أن يعثر على سمكة واحدة.. في نهر بردى؟

* محاضرة ألقيت في 29/12/1993 في مكتبة الأسد بالتعاون بينها وبين فرع دمشق لاتحاد الكتاب العرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت