في نهاية حقبة الحكم العثماني، وفي بداية الانتداب الفرنسي، أنشئت مدينة عصرية مشابهة تمامًا للقديمة، في الجهة الغربية من دمشق، وامتدت نحو الشمال الغربي، باتجاه حي الصالحية على الجبل، وفي بدء هذا القرن، أطلق على وسط هذه المدينة، اسم"المرجة"تحيط بها الأبنية الحكومية الهامة، بالإضافة إلى بناء العابد. وعند مدخل هذه المدينة، وأنت قادم من الجهة الغربية، أعني من بيروت، يواجهك فندق فكتوريا الكبير، أول فندق بني للسياحة. وإذا نظرت إلى الغرب، على امتداد نهر بردى، فإنك بلاشك واجد خيّالة، يروضون خيولهم في السهل القريب. وتلك هي فسحة تقودك وإياهم إلى مقهى الربوة، الكائن في أعلى منعطف نهر بردى.
إن دليل بيديكر الصادر في نهاية القرن التاسع عشر، وبالأحرى في السنوات الأولى لهذا القرن، يعطي فكرة صحيحة واقعية، عن دمشق هذه قبل عام 1914. فعلى سفوح جبل قاسيون في الجهة الغربية من الصالحية، أنشئ حي المهاجرين، وكان من قبل سكنًا، لمن قدم من جزيرة كريت (وتلك شيمة وصفِت بها دمشق على مر العصور، من حيث استقبال المبعدين، على الرغم من أن وفادتهم تدعو إلى إحداث أحياء جديدة حول المدينة) .
وفي ظل السنوات الأولى، للانتداب الفرنسي، بدأ يتسع المحور الذي يوصل المرجة بالصالحية، وأخذ يمتد قليلًا فقليلًا. كما أحدثت شوارع جديدة مناسبة ومتناسبة، وفي أواخر العشرينات، كثرت طلبات الترخيص بالبناء، وأصبحت عديدة جدًا، وخاصة في حي الصالحية، أكثر من الأحياء الأخرى.
أما الأوروبيون فقد رغبوا في الإقامة، حول دير الفرنسيسكان والمشفى الإيطالي. وهناك عائلات دمشقية، استغنت عن سكنها في المدينة القديمة، وأقامت مباني في المرتفعات، بين حدائق دمشق الغناء.
لقد فصلت حدائق (أبو رمانة) ، عن حدائق المزرعة، بسبب إنشاء هذا الحي الجديد. كما أنشئت حول حي باب توما، ضاحية جديدة دُعيت القصاع. أما برزة والمزة فهما ضاحيتان بعيدتان كثيرًا عن المدينة.