وبعد انتصار المسيحية على الوثنية أنشأ الإمبراطور"تيودوسيوس"كنيسة داخل المعبد على اسم القديس يوحنا المعمدان، وبعد الفتح الإسلامي اقتسم المسلمون هذا المعبد الكبير مع المسيحيين ليقيموا الصلوات فيه، وبقي المسلمون والمسيحيون يؤدون فرائض دينهم متجاورين حوالي سبعين عامًا، حتى عام 86هـ-705م حين تسلم سدة الخلافة الأموية الوليد بن عبد الملك حيث جرت مفاوضات مع الرعايا المسيحيين لكي يتنازلوا عن نصف المعبد الذي أقاموا عليه كنيستهم، وتم ذلك مقابل بناء كنائس جديدة في أماكن مختلفة من مدينة دمشق. وتم للوليد ما أراد، وهدم ما كان داخل جدران المعبد من منشآت رومانية وبيزنطية، ثم شيد الجامع وفق مخطط جديد مبتكر يتجاوب مع شعائر الدين الإسلامي، وأغراض الحياة العامة، فجاء فريدًا في هندسته، لم يبن على نسقه في العهود السابقة أي بناء آخر ووضعت بإشادته مبادئ هندسة الجوامع الكبرى التي شيدت بعده في العالم الإسلامي، وظل المعماريون عدة قرون يستوحون منه وينسجون على منواله.
لقد استغرق بناء الجامع الأموي قرابة عشر سنوات (705-715) م وقد وصف الجامع عدد كبير من المؤرخين والعلماء العرب والأجانب، فكان في غاية الإبداع والروعة والجمال وعُدّ بين أعاجيب الدنيا، وقد وضع الفن الإسلامي والعمارة الإسلامية مبادئهما الأولى فيه، يقول عنه الفرنسي سوفاجيه"أول نجاح معماري في الإسلام"وقد حافظ على عظمة بنائه وروعة زخارفه قرابة ثلاثة قرون ونصف، ثم تعرض بعد ذلك للحرائق والزلازل، وكان في كل مرة يصاب فيها بجهة من جهاته يفقد شيئًا من بهائه ورونقه حتى وصل إلى ما هو عليه الآن.
*نزهة الناظرين: