لقد وصل الإنسان الأول إلى حوض دمشق منذ حوالي المليون عام ولكننا لا نعرف الكثير عن هؤلاء البشر الذين توضحت صورتهم مع مرور الزمن. إن مرحلة الاستيطان الأهم بدأت في هذه المنطقة منذ الألف الثامن ق.م. عندما اهتدى الناس إلى البناء والزراعة والتدجين فنشأت مستوطنة تل أسود تلتها مستوطنة الغريقة ثم مستوطنة تل الرماد ثم تل الخزامي وما أن حل الألف الرابع حتى دخلت المنطقة في العصر الحجري النحاسي الذي ازدهرت فيه الحضارة الغسولية والتي بانتهائها انتهت عصور ما قبل التاريخ وبدأت العصور التاريخية القديمة وذلك منذ مطلع الألف الثامن ق.م.
إن هذه الصورة لحوضة دمشق هي جزء لا يتجزأ من لوحة أكبر مسرحها بلاد الشام كلها لأن تاريخ الإنسان والحضارة في هذه البلاد قد تكاملا ومنذ البداية. ففي الوقت الذي وصل فيه الهوآرلتوس الأول إلى وادي بردى كانت وديان الأردن والليطاني والعاصي والفرات مسكونة من قبل النوع ذاته من البشر. كما أن النياندرتال انتشر على كل المناطق الجغرافية الساحلية والداخلية والصحراوية في بلاد الشام والمشرق. وعرفت هذه البلاد مرحلة متشابهة من الفقر الحضاري الذي تلا انقراض النياندرتال لتعود لها من جديد الحيوية والإنسان وتنشأ فيها المجتمعات المستقرة والقرى الزراعية الأولى، وفي الوقت ذاته تقريبًا، من وادي الفرات في الشمال مرورًا بحوضة دمشق في الوسط وحتى وادي الأردن في الجنوب، حيث عاشت مجتمعات واحدة لها ليس فقط النشاط الاقتصادي نفسه وإنما اعتمدت الشعائر والمعتقدات ذاتها مجسّدة وحدة حضارية هي الأكثر وضوحًا والأبكر ظهورًا في التاريخ، بل إن هذه المجتمعات كانت تنتمي في صفاتها الأنتروبولوجية إلى العرق المتوسطي النحيل ذاته الذي سكن بلاد الشام منذ العصر الحجري الحديث (10) .
الحواشي: