وكانت دمشق بالذات، بوزنها التاريخي والاقتصادي ولقربها من العاصمة استانبول أهم مدينة عربية في الإمبراطورية العثمانية. وكان لابد لها أن تؤثر في مجريات الأمور والأحداث وأن تقوم بدور فاعل من الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية في القرون الماضية. وينصب حديثنا اليوم بطبيعة الحال، عن دمشق على أبواب القرن العشرين. فمن الطبيعي إذن أن نتساءل: كيف كانت صورة دمشق في القرن التاسع عشر، وكيف تفاعلت مع مؤامرات الدول العظمى ولرياح التغيير التي هبت على المنطقة، بل ما هو دورها في نشوء الفكر القومي؟ وكانت السمة البارزة للقرن التاسع عشر هي التصنيع السريع لدول أوربا الغربية وانتشار الاستعمار الغربي في سائر أرجاء العالم. وكان نقصان المواد الضرورية لمعيشة بريطانيا سببًا في اقتناصها المستعمرات المختلفة عبر البحار لتصريف إنتاجها الصناعي، فكان ذلك يُحتّم عليها بسط نفوذها في المشرق العربي لحماية طرق مواصلاتها نحو فارس والشرق الأقصى، فأنشأت أسطولًا بحريًا معادلًا في قوته جميع الأساطيل الأخرى المنافسة. وكانت بريطانيا حريصة كل الحرص على أن لا يكون لأي دولة أخرى كفرنسا وروسيا أي نفوذ على طرق مواصلاتها إلى الهند.
وكان التنافس شديدًا بشكل خاص بين الدولتين الاستعماريتين، فرنسا وبريطانيا، على اقتسام النفوذ السياسي والاقتصادي في أرجاء الإمبراطورية العثمانية. ولم يكن هذا الأمر مطروحًا إبان قوة هذه الإمبراطورية في العصور السالفة عندما كانت تشكل تهديدًا خطيرًا على الشعوب الأوربية الذين كانوا يعدون الأتراك مادة غريبة في جسم أوربا من الجوانب اللغوية والعرقية والدينية. ولقد وُضعت الخطط الواسعة للقضاء على هذه الإمبراطورية وباءت كلها بالإخفاق في أثناء احتفاظها بقوتها (1) .