ولعل أول ما يجب أن يذكر في هذا المجال أن بلاد الشام قبل الفتح كانت في حال من الضعف والتفكك الشديدين بسبب ضعف الإمبراطورية البيزنطية التي كانت تتولى مقاليد السلطة في هذه البلاد نتيجة حروبها مع فارس من جهة وبسبب أزماتها الداخلية من جهة أخرى. وكان الغساسنة الذين دخلوا في حلف مع بيزنطة فولاهم البيزنطيون مقاليد الأمور، ولاسيما في الجنوب يعيشون مرحلة من الصراع الداخلي بين أمرائهم من جهة، وبينهم وبين الدولة البيزنطية من جهة أخرى، الأمر الذي خلَّف الخراب والدمار، وفقدان السلطة المحلية التي تمسك بزمام القبائل النازلة في الجنوب وتمنع ثوراتها ضد بيزنطة، ورفضها دفع الضرائب أو الانضمام للجيش الإمبراطوري. أما الحروب مع فارس فقد كانت مستمرة منذ القرن الخامس للميلاد، الأمر الذي خرب الاقتصاد وفرَّق الشمل وألحق الدمار بالبلاد والعباد. وكان من بين أهم أحداث هذه الحروب احتلال الكسري الفارسي خسرو الثاني لدمشق في العام 612م. وإذا أضفنا إلى ذلك كله أن معظم سكان دمشق كانوا يدينون بالمذهب اليعقوبي الذي يقول بالطبيعة الواحدة للسيد المسيح بخلاف بيزنطة الملكية، لوجدنا ما يفسر حسن استقبال الدمشقيين للفرس وبالتالي حسن معاملة الفر لهم، بعكس ما سيحدث بعد سنتين أي في العام 614م حين وصلت جيوش فارس إلى القدس وأعملت فيها يد التخريب والنهب. وحين توفي الكسري الفارسي في العام 627م، انسحبت الجيوش الفارسية من دمشق، وعاد هيراكليوس إلى سورية.