ربما كانت لذلك مناصفة عاشت دمشق في ظلها قرونًا من قبل ومن بعد، وتكاد تكون علامة عليها، فيوم سبح خالد بن الوليد ومذعور بن عدي والقعقاع بن عمر في ماء خندق دمشق وكبروا فوق سورها القديم، وفتحوا الباب الشرقي للجند، فتحوها عنوة من هذا الجانب ولكن الذين فتحوا لجند يزيد بن أبي سفيان وأبي عبيدة بن الجراح أبواب دمشق الأخرى كانوا يصالحون ويميلون، وربما ينتمون، وكان اللقاء بين العنوة والصلح، بين الحرب والسلم، بين الموت والحياة، في درب الريحان. ويبدو أن لدمشق حظها الوافر، في كل العصور، من ثنائية ملحوظة الوجود والتأثير، أو من تلك"النصفيّة"التي تجعل الضدين يلتقيان ويتوقفان وينكسران في آن وذروة ومكان، ولا أدري أهي خصوصية دمشقية أم هو قانون خفي تفرضه الطبيعة العامة للحياة في مرتكزات التجمع البشري والحضاري!؟! فلدمشق سباسب ريحانها التي تواكب سيوفها الدمشقية الشهيرة، أو تقطع عنها حدود السيوف، ولها حريرها وفولاذها الأشهران، ولها قلعتها الجهمة العصية، وبساتينها الرضية الرخية، لها ماؤها وصحراؤها، جبلها وغوطتها، عُمرُها ويزيدها، فضلاؤها وفجارها، لها أطباؤها وعلماؤها، وأدباؤها وشعراؤها، ولها أيضًا جهَّالها وجهلتها، وكان فيها"الزعران والعوانية والبلاصيّة والغوغاء ومشايخ الحارات وعرفاؤها"3، لها من تيمورلنك نصيب ومن صلاح الدين ونور الدين الشهيد نصيب، فيها الأموي والظاهرية والمدارس والزوايا والتكايا قديمًا، والجامعات والمكتبات العامة حديثًا، وكان فيها أيضًا سوق الخيل وما هو على شاكلته مؤديًا لوظيفته قديمًا وحديثًا. ولها نصيب من الزهاد والمتصوفة وأهل الرأي على امتداد الزمن وتلون العهود.