وهذا لا يترك مجالًا للشك في أبوة وأمومة ثقافة هذه المنطقة لثقافة الغرب القديمة كما أنه يدعونا إلى مزيد من التقصي والبحث والتدقيق للوقوف على الدور الحضاري الذي لهذه الأمة، التي ينال منها اليوم الضعف، وينخر فيها السوس، ويرين على ذاكرتها ووعيها الجهل، ويتأكَّلها الإهمال والتدابر وفساد القلب والنية والرأي.
لقد تداخل في دمشق المعبد الوثني القديم -معبد حدد وسواه ممن سبقه وتلاه من آلهة هذه البلاد- والكنيس، والكنيسة والمسجد، وهي بهذا الغنى والتنوع والتداخل، لم تكن مجرد حاضرة من حواضر العالم القديم التي شاركت في احتضان العقائد والثقافات وساهمت في نمو الوعي والإيمان فقط، وإنما كانت سرة الأرض التي شهدت صراع الوثنيات فيما بينها، وصراعها مع الديانات السماوية، وصراع الديانات السماوية فيما بينها ثم تآخيها وسبوغ التسامح عليها. فهي جارة ايلياء وخدنها، وهي جنَّة الأرض التي نبَّه إليها رسل، وهي الدار التي تعززت فيها رسالة الإسلام بنوعية من التآخي والتسامح مع الديانات السماوية، لم تشهدها إلا مدن عريقة قليلة، وهي التي تداخل فيها النسيج المعماري والحضاري وحتى الاجتماعي الأقدم والقديم في تكوين حضاري عضوي ثبت شخصية ثقافية نوعية من خلال تراكمية ثقافية مجدية، كما تداخل فيها القديم مع الجديد والمستجد، ولكن ذلك المعطى الثقافي والحضاري العام والمتنوع كان يدخل دائمًا بوتقة واحدة تصهره وتسبغ عليه في النهاية ثوبه، الثوب الدمشقي -العربي، ليعطي هوية وخصوصية وشخصية للمدينة يجلوه تراثها، وليعطي للتراث شمرخة زاهية تجلو هي شخوصه وتحدد هويته وانتماءه.