وفيما مضى نقله عن أبي فهر يظهر لنا أصلان من أصول منهجه التي ذكرها، وهما الاستقصاء والتتبع، ثم"الترتيب التاريخي"، لهذه المادة المجموعة، وبعد أن فرغ من تطبيق هذين الأصلين، رجع مرة أخرى لينظر في أمر هؤلاء الرواة والعلماء الذين جاءتنا القصيدة عن طريقهم، فنظر في حال أقدم هؤلاء جميعًا، وهو ابن هشام وكتابه"التيجان"ووضع ابن هشام وكتابه"تحت الأصل الرابع من المنهج الذي سبق ذكره، فانتهى به التحقيق في أمره إلى أن كتاب التيجان،"فيه خلط كثير واضح، وليس في كتب الثقات ما يؤيده وفيه آفات عظيمة، وأخباره لا يطمئن إليها أحد من أهل العلم. والشعر الذي فيه خليط فاسد جدًا... وابن هشام نفسه كان قليل العلم بالشعر" (14) ، فهنا يظهر أصل الشك في الأخبار، وعدم الاطمئنان إلى المرويات التي لا سند لها، ويظهر فيه كيفية استخدام أصل"الجرح والتعديل"، وهذا الأصل عمدة علم"مصطلح الحديث". ثم يردّ ما نسبه أبو تمام، عندما جرّد نسبة القصيدة إلى"تأبط شرًا"، في كتاب"الحماسة"، يقول أبو فهر عن فعله، ويعلل لعدم قبوله له: وكأن هم أبي تمام في الحماسة اختيار جيد الشعر لمعانيه وألفاظه، ولم يكن من همه تحقيق النسبة... يؤيد استقراء ماجاء في سائر كتاب الحماسة وما جاء في كتابه"الوحشيات له أيضًا، من قلة الاحتفال بتحقيق النسبة"، فهذا وجه من النظر."
ويواصل التحري والتفتيش عن حال بقية الرواة فيتعرض لحال"دعبل بن علي الخزاعي الشاعر"، وينظر في أحواله وصفاته، ويراجع أخباره في كتب التراجم، فيرى أن فيه صفات رديئة قد تسقط روايته جملة، ولكنه يقول:"ومع قبح هذه الصفات، فإنها لا توجب على وجه القطع، طعنًا مسقطًا لرواية ما يروى من الأخبار عن معاصر له، وإن كانت توجب الحذر."