إن هذا المستوى الجديد الذي وصل إليه البحث في التأصيل اللغوي والمناهج العلمية المعتمدة في ذلك يفرض ضرورة الانتفاع بها. ويبطل أية قيمة علمية لكتاب مثل كتاب ادي شير ـ الذي اعتمد عليه المؤلف مرارًا ـ وهو كتاب صدر في بداية هذا القرن.
إضافة إلى ذلك فثمة حقائق تاريخية يجب الاعتماد عليها في التأصيل اللغوي، ولا يجوز إرجاع كلمة معربة إلى أصل فارسي إذا كان لها نظير لفظي ومعنوي في لغة سامية أقدم من الفارسية.
إن اللغة الفارسية في أقدم مراحلها تتمثل في النقوش المدونة بالخط المسماري خلال عهد السلالة الأخمينية، وقد عثر عليها في إطار جغرافي محدد هو: بلاد فارس وعيلام وميديا وأرمينيا. وأقدمها تاريخيًا هي نقوش الملك دارا الذي حكم في الفترة (521 ـ 486 ق.م) . لذا فإن جميع المدونات باللغات الأكّدية (البابلية ـ الآشورية) ، والأوغاريتية والآرامية المبكرة أ قدم تاريخيًا منها، كما أن الإطار الجغرافي الذي انتشرت فيه يختلف عن مناطق انتشار الفارسية القديمة ويوافق ـ بالمقابل ـ الإطار الذي سادت فيه العربية فيما بعد.
إن التأصيل اللغوي يجب أن ينطلق من الأسرة اللغوية نفسها، ويراعي المنهج التاريخي في تفسير انتقال الألفاظ.
لقد قرأت الكتاب بإمعان، ولفتت نظري فيه كلمات كثيرة ذات أصول سامية. فدققت مقابلاتها اللفظية والمعنوية في عدد من اللغات السامية القديمة معتمدًا على أبرز معجماتها وأحدث الدراسات حول الصلات المتبادلة بينها فخلصت إلى أنها لا يمكن أن تكون ذات أصل فارسي، وعلى سبيل المثال لا الحصر أورد طائفة منها موضحًا أصلها السامي:
آجُر: (ص19 ب) .
لقد وردت اللفظة نفسها (آجرّ) بمعنى قرميد البناء"، في وثائق بابلية وسيطة (منتصف الألف الثاني ق.م) . وكذلك في وثائق بابلية وآشورية تالية. ومنها انتقلت إلى لغات سامية أخرى كالآرامية القديمة والسريانية والعربية. وكذلك إلى الفارسية."
آس: (ص20 ب) .