وبالجملة فإن مدينة الزهراء الأندلسية من المدن القليلة التي شيدها العرب في الأندلس، وهي إضافة لذلك تعد من روائع ما أنتجته الهندسة العربية على الأرض الأوروبية خلال العصور الوسطى، خططها وأبدعها عقل عربي متحضر في زمن كان فيه العرب يتطلعون دائمًا إلى زيادة مجدهم وإنتاجاتهم العلمية الراقية، بعد أن سيطر تيار العلم على عقولهم وتفكيرهم وتصرفاتهم، فارتفعوا عن الصغائر والترهات، وظلوا هكذا حتى سقطوا على حين غرة في غفلة عن غدر الزمن، عندما عادوا للتمسك بالقبلية والطائفية والعصبية، فاختلفوا وتدابروا وتقاتلوا، الأمر الذي أسرع في سقوطهم، ومازالوا حتى اليوم يتخبطون في مستنقع السقوط هذا، في وقت وصلت فيه الأمم التي كانت تحت أيديهم إلى ذروة المجد والحضارة والتقدم.
وما ذكر مدينة الزهراء في هذا الوقت بالذات، إلا مثال حي، يعيدنا بسهولة ويسر إلى بعض الماضي العربي الحافل بالمجد والعطاءات، التي كانت نتيجة إيجابية من النتائج التي تمخضت عن تماسكنا ووحدتنا وسعينا لبناء ما ينفع الإنسانية جمعاء. فما أحوجنا نحن عرب هذا الزمن إلى روح التعاون والتعاضد والوفاق، لا لأجل السيطرة على شعوب الدنيا من جديد، بل لنشارك ولو بجزء يسير في عملية بناء صرح الحضارة الإنسانية المتسارعة النمو، والتي نقف على هامشها متفرجين، لا نملك عمل شيء، بعد أن تقطعت أوصالنا بخناجر الفرقة والتشتت والإقليمية البغيضة.
الحواشي:
(1) ـ المقري ـ نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ج1 تحقيق إحسان عباس دار صادر بيروت 1968 ص 352، وما بعدها وانظر أيضًا ابن القوطية ـ تاريخ افتتاح الأندلس تحقيق عبد الله أنيس الطباع طبعة بيروت 1957، ص 121 وما بعدها.