وإذا أردنا أن نضمه إلى صنف منها، فـ"المنهاج"يتآبى أن ينضوي إلى أي منها، فلا طبيعتها تتسع لطبيعته، ولا خصائصها تستجيب لخصائصه. فإذا قلنا أنه كتاب في البلاغة، ما دام صاحبه قد صرَّح بذلك تصريحًا (2) ، ضاع منا السبيل، وأملينا على الكتاب ما ليس منه وما يجافي خاصته، فالقرطاجني يدير البلاغة بغير ما عهدنا، وعلى غير ما ألفنا ويستقر بها على أرض غير تلك التي وطأها وأقام معالمها أئّمة البلاغة قبله، فإذا كانت البلاغة دون خوض في مضني تعريفاتها وتفريعاتها هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال أو مناسبة المقال للمقام، فإن"المنهاج"لا يجري في هذا المجرى، حتى نستطيع أن نباشره في منعطف من منعطفاتها، وإنما يحرفه إلى حيث لابد أن نمضي معه ونتتبع مساربه، عسى أن نقف على ما يمتاز به ويتميز من مباحث في"البلاغة المعضودة بالأصول المنطقية والحكيمة"كما يسميها صاحب المنهاج (3) . إن جماع النظر بين حازم وعلماء البلاغة هو البيان، غير أن الطريقين شتى، فإذا كان البيان هو إيضاح الغامض وإظهار الخفي والكشف عن المستور واستنباط المغمور وما إلى ذلك من الأمور التي يؤدي عنها مصطلح البيان عند العرب (4) وإذا كان من المتأخرين عن عصر عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ) من علماء البلاغة، من تصرف بأصنافه وفي تقسيماته فقعَّدها وعقَّدها، حتى انفرد بالشوارد وانزوى في الجزئيات، وصار علم البيان، بسبب من ذلك، كمعمي الألغاز ومبهم الطلاسم، فإن القرطاجني يتخطى ظاهر هذه الصناعة إلى ما وراءها، أي إلى"أصول البلاغة"أو"فلسفة البلاغة"أو"روح الصناعة" (5) وقد اقتضى منه هذا المنهج أن يكون مدار كتابه على الشعر حدًا ووظيفة، وما إليهما مما يدخل في ماهية فن القول ويمازجه بأقوى الوشائج. والشعر ما عرفنا: معين البلاغي وسنده وذوقه.