إذن، لم يكن العرب في القرون الوسطى أو العصر الوسيط معزولين أو منعزلين، بل انفتحوا على العوالم الأخرى ونهلوا منها علومها وترجموا أعمالها. بيد أن هذا الانفتاح وهذا الانتهال لم يؤديا إلى الانصهار أو الذوبان والضياع بل قادا أو لنقل ساعدا على نشوء حضارة جديدة فاعلة مولدة ولود تسهم وتؤثر وتعطي وتأخذ.
أما اليوم، فنعيش صدمة الحضارة الحديثة، هل نريد أن نقفز أربعة قرون عاشتها أوروبا البورجوازية كما يقول جاك بيرك (4) ؟ ها هو الشرق، الآن، مفتوح على العالم الغربي، ولكن أليس انفتاح مستهلك للمواضيع والمذاهب الفكرية الأوروبية؟ أليس انفتاح إنسان مفتون، أدى إلى دخول الغث والسمين معًا؟ ألم يؤد ذلك إلى أن نكون منفعلين بالأحداث، متلقين لها، وإلى ظهور الازدواجية في كل جانب من جوانب حياتنا علمية كانت أم فكرية أم اجتماعية يومية؟ أليس سبب ذلك أوبعض السبب يرجع لإغفالنا أو تغافلنا عن التسلح بالأسلحة النقدية اللازمة؟
وبتعبير آخر ألسنا نأخذ من"أنماط الحياة الغربية على غير تبين ولا هدى ولا مناقشة، إذ كانت مسافة الخلف بيننا وبين الثقافات الغربية، حين بدأنا نتصل بها -وكان الإحساس بالضعف وما أورثه من عقد -قد أحالا بيننا وبين أن نناقش فيما نقبل عليه أو نندفع إليه، وإنما نتقبله على أنه الصورة المثلى الواجبة التي تنسخ كل الصور الأخرى" (5) .
وهل هذا الأخذ أو المنحنى الخطي الذي نسير فيه، نرسمه بأنفسنا أو يرسم لنا، سيؤدي إلى نشوء حضارة مضارعة للحضارات الحالية أو تنهض أمامها؟