قال الأوارجي الكاتب: فجلست في ذلك اليوم أنا وابن السراج وأبو القاسم عبد الله بن حمدان الموصلي الفقيه ف رَوْشَن نتفرج لما وافى المكتفي في المساء نظرنا واستحسناه. وكانت هذه القينة قد جَفَت ابن السراج لما قلّ ماله، فقال في ذلك الوقت: قد حضرني شيء فاكتبوه عني، فكتبته، وهو قوله (2) :
قايست بين جمالها وفِعالها
حلفت لنا ألا تخون عهودنا ... فكأنما حلفت لنا ألاّ تفي
والله لا كلّمتُها ولو أنها ... كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي
ومر على هذا زمان. وكان ابن زنجي الكاتب يهوى قينة ويدعوها في أيام الجمع ويحدّث بأمرها وأمره معها أبا العباس أحمد بن محمد بن الفرات، فحدثني ابن زنجي أنه غدًا يوم سبت على أبي العباس فسأله عن القينة في أمس وما غنته، فقال: كان صوتي عليها: ... الأبيات
قايست بين جمالها... الخ
قال: وسألني أبو العباس عنها ولمن هي؟ فقلت: لعبد الله بن المعتز. فقلت له: إنها ليست لعبد الله بن المعتز، وإنما هي لأبي بكر محمد بن السراج، وقصصت له قصتها، فعجب من ذلك واجتمع أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات بالمكتفي وأنشده الأبيات. فسأله: من قائلها؟ فقال: هي لعبيد الله بن طاهر سهوا منه فقال: احمل إليه ألف دينار. فلما اجتمع ابن زنجي بأبي العباس أخبره بالقصة. فقال له ابن زنجي: ما قلت لك إلا أنها لعبد الله بن المعتز وقد أخبرني بعدك الأوارجي أنها لأبي بكر بن السراج، فقال: غلطت أنت، وغلطت أنا، وقد ساق الله لابن طاهر رزقًا. وأعطاني ألف الدينار، وقال: امض بها إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وسلمهما له من يدك، وأخبره الخبر، ففعلت فأخذها وشكر. ... وجفوني إذا نظرت إليك
فانظر ما أعجب هذه القصة، حرمها صاحبها وأخذها غيره بالوهم.
قال الزبيدي: وأنشدني محمد بن السري لنفسه في هذه الجارية:
سوف أبكي على بكائي عليك
وزمان لم يخلق الله شيئًا ... كان فيه أعزّ من عينيك
أظننت الصبي يخفى عليه ... قبحُ ما تحملين في ثوبيك