وبعد أن تلقى هذا العالم، علومه في الأندلس، اتجه نحو المشرق مارًا ببلدان المغرب العربي، ليجتمع هناك بالباحثين في علم النبات والمشتغلين به. ومن المغرب، تابع طريقه فزار آسيا الصغرى مارًا بمدينة أنطاكية، ليصل منها إلى سورية، ولينتقل بعدها إلى مصر، ومن مصر قام برحلات إلى الحجاز، فغزّة، فالقدس، فبيروت. وقد سافر إلى بلاد الأغارقة كما يذكر ابن أبي أصيبعة، وإلى أقصى بلاد الروم، والتقى بجماعة يعانون فن معرفة النبات، فأخذ عنهم معرفة نبات كثير.
وأما في مصر فقد اتصل ابن البيطار بالملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب، الذي كان يحكم مصر ودمشق. واعتمد الملك الأيوبي على هذا العالم في الأدوية المفردة والحشائش، وجعله رئيسًا على سائر العشابين وأصحاب البسطات في الديار المصرية. ولم يزل في خدمته إلى أن توفي الملك الكامل بدمشق. وبعد ذلك توجه ابن البيطار إلى القاهرة، ليبقى في خدمة الملك الصالح نجم الدين أيوب، بن الملك الكامل، وكان حظيًا عنده متقدمًا في أيامه، فذاع صيته واشتهر شهرة عظيمة.
تقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة، في كتابها، شمس العرب تشرق على الغرب: كان ابن البيطار أعظم عباقرة العرب في علم النبات. ضم في كتابه"الجامع في الأدوية المفردة"شرحًا لألف وأربعمائة نبتة طبية، مع ذكر أسمائها، وطرق استعمالها، وما قد ينوب عنها... ولم يكتفِ ابن البيطار بتمحيص ودراسة مئة وخمسين مؤلفًا من أبحاث من سبقه من العلماء، الذين اعتمد عليهم في بحوثه، بل انطلق من مدينته الأم، مالقة، بإسبانية، إلى مراكش وشمالي أفريقية، ومصر وسورية وآسية الصغرى، بحثًا عن النباتات الطبية، يراها بنفسه، ويتيقن منها فيذكرها في كتابه"."