يقدم (الغزالي) أكثر من تعريف للأخلاق، ولكنها تعريفات متقاربة يصل بينها خط واحد يتمثل بإصراره الدائم على التمييز بين الخلق الحسن والخلق السيئ، ولعل أكثر هذه التعريفات دقة وضبطًا هو التعريف الذي قدمه لنا في"الإحياء"حيث يقول بعدما يبين لنا أن الأخلاق هي الصورة الباطنة للإنسان:"الخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلًا وشرعًا، سميت تلك الهيئة خلقًا حسنًا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقًا سيئًا، وإنما قلنا إنها هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور لحاجة عارضة لا يقال خلقه السخاء، ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ، وإنما اشترطنا أن تصدر الأفعال بسهولة من غير روية لأن من تكلف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد وروية لا يقال خلقه السخاء والحلم" (8) .
والحق أن الإمام (الغزالي) لم يبتعد بهذا التعريف عن التعريفات المعاصرة للأخلاق على تعددها وتباينها، ذلك أنه ركز مفهومه للأخلاق على الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها الفعل الأخلاقي ويصدر عنها، وهي الرسوخ في النفس والتّلقائية، وأعني بذلك الوجدان والنية، إذ الفعل الأخلاقي العرضي ليس موجبًا لوصف فاعله بأنه أخلاقي، أو غير أخلاقي، كما أن إطالة التفكير وتكلف الجهد لدفع الذات إلى الفعل الأخلاقي ليس كافيًا لاعتبار صاحب الفعل متخلّقًا به.
ب-شروط الفعل الأخلاقي:
انطلاقًا من تعريفه للأخلاق يبين لنا الإمام (الغزالي) شروط الفعل الأخلاقي فيرى أنها أربعة:
أحدها: فعل الجميل والقبيح.
والثاني: القدرة عليهما.
والثالث: المعرفة بهما.
والرابع: هيئة للنفس بها تميل إلى أحد الجانبين ويتيسر عليها أحد الأمرين (9) .