وفي باب النسيب أيضًا يطالعنا بوح شجي ملفع بالخجل والتصون والخشية يترقرق من امرأة من طيئ تتجاذبها قوتان عارمتان لا تستطيع لهما دفعًا، قوة يستفزها القلب بما فيه من شهوة وعاطفة وصبوة، وقوة يستفزها العقل بما فيه من تحكم وأناة وامتثال للقيم، فإذا بها ترى محبوبها أصفى من ماء المزن الذي تجمع في الأودية فمرت عليه النسائم الصيفية فجردته من القذى فغدا عذبًا نقيًا لذة للشاربين، ولكن أنى لها أن تستجيب له وتنهل منه وهي التقية التي تخشى على نفسها من عواقب الإثم والخطيئة فلتمض في طريقها على ما في النفس من حرارة الظمأ ولتسجل هذه الخلجات في هذه الأبيات (25) : ... تحدر من غرٍّ طوال الذوائب
فما ماء مزن من شماريخ شامخ
بمنعرج أو بطن واد تحدرت ... عليه رياح الصيف من كل جانب
نفى نسمُ الريح القذى عن متونه ... فليس به عيب تراه لشارب
بأطيبَ ممن يقصر الطرفَ دونه ... تقى الله واستحياءُ بعض العواقب
وحسبي ما عرضت من قطوف أبي تمام وعناقيد اختياراته شاهدًا على ذوقه الرفيع الثاقب وشاعريته التي تجلت في إبداعه كما تجلت في اختياره، وأخلق بالحماسة الصغرى هذه أن تسمى الأنسيات بعد أن ظلت قرونًا مديدة ترفل بثياب الوحشيات.
محمد كمال- حلب
الحواشي:
(1) ذيل الأمالي: 132.
(2) فؤاد سيزكين. تاريخ التراث العربي، الشعر: 106-120.
(3) ديوان الحماسة، شرح المرزوقي: 10.
(4) المصدر السابق: 14.
(5) شرح التبريزي للحماسة: 1: 3.
(6) الحاشية رقم (2) .
(7) محمود شاكر، مقدمة الوحشيات: 10-11.
(8) بدا لي أن أزيد في حواشي الكتاب ما ظهر لي عرضًا من ملاحظات:
-الحاشية ذات الرقم (27) : البيتان الأخيران في ديوان المعاني.
-الحاشية ذات الرقم (186) : في (اللسان: قزع) : وقال ابن الأعرابي هو للكميت بن ثعلبة. وكذلك نسب الآمدي البيت الثاني في الموازنة: 56 إلى الكميت بن ثعلبة.
-الحاشية ذات الرقم (339) : في الأغاني 20/106 الأبيات منسوبة إلى ابن أبي عيينة.