وهذه الحماسة منها ما التزم أو قارب الالتزام بمنهج أبي تمام في تقسيمه حماسته وتسمية أبوابها، ومنها ما شذ عنه شذوذًا بعيدًا ونحا نحوًا وفقًا لقواعد ذوقية أو أسس فكرية خاصة، فإذا كان أبو تمام قد جعل حماسته في عشرة أبواب هي: باب الحماسة فالمراثي فالأدب فالتشبيب فالهجاء فالأضياف والمديح فالصفات فالسير والنعاس فالملح فمذمة النساء فإن الشاعر البحتري قد فصل وأوسع فجعل حماسته في مئة وأربعة وسبعين بابًا، وأن ابن الشجري قد جعل حماسته في خمسة عشر بابًا وعشرين فصلًا، أما الوحشيات فقد جاءت مطابقة في عدد أبوابها وتسمياتها للحماسة الكبرى، مع تغيير طفيف لتسمية الباب الثامن وهو باب السّير والنعاس، إذ أطلق عليه أبو تمام في الوحشيات باب المشيب.
ولقد طارت شهرة الحماسة في الآفاق وانتزعت إعجاب القدماء من رجال الأدب واللغة، وتناصرت الآراء على أهميتها حتى"وقع الإجماع من النقاد على أنه لم يتفق في اختيار المقطعات أنقى مما جمعه أبو تمام (3) "، كما حكى الصولي أنه سمع المبرد يقول: سمعت الحسن بن رجاء يقول: ما رأيت أحدًا قط أعلم بجيد الشعر قديمه وحديثه من أبي تمام" (4) ، ونقل التبريزي"أن أبا تمام في اختياره الحماسة أشعر منه في شعره" (5) ، بل أن كتاب الحماسة أصبح مضرب المثل في الحسن والإتقان، فهذا البيهقي يترجم للقبيصي أحد علماء الفلك في عصر سيف الدولة ويثني على كتابه"المدخل إلى علم النجوم"فيقول"وهو في كتب النجوم مثل كتاب الحماسة بين الأشعار"."