على أن هذه الاختيارات بالإضافة إلى المعلقات لم تكن إلا أشتاتًا مختلطة من جياد القصائد وروائع المقطعات لا تقوم على وحدة تقصد ولا نسق يراد، إلى أن جاء أبو تمام شاعر العربية الكبير فوضع ديوان الحماسة، فكان أول اختيار يقوم على التصنيف والتبويب ويعتمد على الفنون الشعرية الرائجة التي بلغت في ذلك العصر غاية الامتياز والوضوح، ثم اتبعه بالوحشيات وهو الحماسة الصغرى التي سنقف عندها بعد قليل.
وكأن فكرة الحماسة قد راقت عددًا من الأدباء بعد شيوعها وانتشارها وتبين أهميتها، فنهضوا يقلدونها ويؤلفون على غرارها كتبًا سموها الحماسة أيضًا جمعوا فيها ما تناثر من القصائد والمقطعات التي تجمع شرف المعنى وسمو المقصد ونادر الغرض إلى براعة الأداء وجمال العبارة وحسن التعبير، حتى بلغت هذه الحماسات عشرًا هي بحسب تتابعها الزمني:"حماسة البحتري، وحماسة أبي بكر بن المرزبان، وحماسة أحمد بن فارس القزويني، والحماسة العسكرية لأبي هلال العسكري، وحماسة الظرفاء من أشعار المحدثين والقدماء لأبي محمد عبد الله العبدلكاني الزوزني، وحماسة الأعلم الشنتمري، والحماسة الشجرية لهبة الله العلوي بن الشجري، والحماسة البصرية لصدر الدين البصري، والحماسة المغربية لأحمد بن عبد السلام الجراوي والحماسة للعباس بن علي البغدادي النجفي" (2) .
على أن هناك مجموعات أخرى من المنتخبات والمختارات بلغت الثلاثين تقريبًا لم تلتزم بتسمية الحماسة وكان لها الفضل في جمع الشعر العربي وحفظه إذ لا تزال مصدرًا من المصادر التراثية الوافية.