وكذلك الشأن بالنسبة لكلمة (ابلعي) في قوله تعالى: ?يا أرض ابلعي ماءك?. (هود: 44) .
فقد نقل السيوطي أنها بالحبشية ومعناها ازدرديه ونسبتها ثابتة إلى الهندية ومعناها اشربي (99) .
وهذا اللفظ عربي أصيل شأنه شأن سائر الألفاظ العربية وتركيبه الصرفي تركيب عربي أصيل، فنسبة هذه اللفظة إلى الحبشية أو الهندية تحكم بغير دليل مقبول. فقد ذكر أئمة اللغة كالجوهري وابن منظور هذه الكلمة في معاجمها فقال في لسان العرب:"بلع الشيء بلعًا وابتلعه وتبلعه وسرطه سرطًا: جرعه، والبلعة من الشراب: كالجرعة، وبلع الطعام وابتلعه. لم يمضغه وأبلعه غيره..." (100) . وهذا ما يؤكد نسبة هذه الكلمة إلى اللغة العربية، وأنها فصيحة مبينة.
وكذلك كلمة"يحور"من قوله تعالى: ?إنه ظن ألّن يحور? (الانشقاق: 14) . فقد نقل السيوطي عن ابن الجوزي الحور: الرجوع بلغة الحبشة (101) ، وأكد ذلك بما روي عن نافع بن الأزرق أنه سأل ابن عباس عن قوله تعالى: ?إنه ظن ألّن يحور?.قال: ألّن يرجع بلغة الحبشة (102) . ثم أتى بأدلة أخرى من الأثر تدعيمًا لذلك. ونحن لا ننكر هذا المعنى أو وقوعه في الحبشية، ولكننا ننكر نسبة اللفظ إلى الحبشية، لأن هذه اللفظة مستعملة في العربية منذ القدم، فقد جاء في لسان العرب قوله:"الحور: الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، صار إلى الشيء وعنه حورًا ومحارًا ومحارة وحرورًا: رجع عنه وإليه وكل شيء تغير من حال إلى حال فقد حار يحور حورًا". قال لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وحنونه
وقد استشهد هذا البيت ابن عباس (رضي الله عنه) عندما سأله ابن الأزرق: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت قول الشاعر وذكر البيت (104) .
فالكلمة إذًا مستعملة بهذا المعنى في العامية، ووجودها في الحبشية بنفس المعنى أمر جلي لكونها لغة سامية كالعربية وهذا مصداق ما ذكره أصحاب الرأي الأول من القول بتوافق اللغات، إذ لا يعني ذلك أن إحدى اللغتين قد نقلت ا لكلمة عن الأخرى.