وتظهر أهمية الفتوى من وظيفة المفتي، بأنه المخبر عن حكم الله تعالى لمعرفته بدليله، وقيل: هو المخبر عن الله بحكمه، وقيل: هو المتمكن من معرفة أحكام الوقائع شرعًا بالدليل، مع حفظه لأكثر الفقه، لذلك كان أمر الفتوى عظيمًا، وخطرها جسيمًا، ويتوقف عندها العلماء والأتقياء والورعون خوفًا من إثمها وخطرها (5) .
قال النووي رحمه الله:"اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقف، كثير الفضل؛ لأن المفتي وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقائم بفرض الكفاية، لكنه معرض للخطأ، ولهذا قالوا:"المفتي مُوقع عن الله تعالى" (6) ."
وأكد ابن قيم الجوزية هذا المعنى عند النووي، مبينًا صفات المبلّغين عن الله وعن رسول الله، فقال:"ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ، والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالمًا بما يُبلغ، صادقًا فيهِ، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مَرْضِي السيرة، عدلًا في أقواله وأفعاله...، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السَّنيَّات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات، فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يُعدَّ له عُدَّته، وأن يتأهب له أُهبته، وأن يعلم قَدْرَ المقام الذي أقيم فيه... وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه ربُّ الأرباب، فقال تعالى: (ويستفتونك في النساء، قل: الله يفتيكم فيهن، وما يتلى عليكم في الكتاب(.(النساء/127) ، وكفى بما تولاه الله بنفسه شرفًا وجلالة، إذ يقول في كتابه: (يستفتونك، قل: الله يفتيكم في الكلالة(،(النساء/176) ،"وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غدًا، وموقوف بين يدي الله" (7) ."