ثم أورد الطبري الأخبار التي تحض على العلم بتفسير القرآن، ثم قال في المواعظ والتبيان بقوله جل ذكره:" (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مَثَل لعلهم يتذكرون.قرآنًا عربيًا غير ذي عِوَج، لعلهم يتقون(.(الزمر: 27-28) . وما أشبه ذلك من آي القرآن التي أمر الله عباده، وحثهم فيها على الاعتبار بأمثال آي القرآن، والاتعاظ بمواعظه، مايدل على أن عليهم معرفة تأويل مالم يحجب عنهم تأويله من آيه؛ لأنه محال أن يقال لمن لا يفهم ما يقال ولا يعقل تأويله: اعتبر بما لا فهم لك به، ولا معرفة من القَيْل والبيان، إلا معنى الأمر بأن يفهمه ويفقهه، ثم يتدبره ويعتبر به، فأما قبل ذلك، فمستحيل أمره بتدبره، وهو بمعناه جاهل."
وسار المفسرون من بعد الطبري على الجمع بين التفسير بالمأثور والتفسير بالمعقول، واستقر ذلك منهجًا عامًا في التفاسير القديمة والمعاصرة، وامتلأت كلها بتأويلات سائغة شرعًا، غير مذمومة عقلًا وفهمًا، وأيد النيسابوري في كتابه"تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان"منهج الطبري، وهو مطبوع بهامش تفسير الطبري ويتضح ذلك فيما ذكره في 1/49، في مبحث"بيان النهي عن تفسير القرآن إلا بما سمعه، فإن الصحابة رضي الله عنهم قد فسروا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه. كيف وقد دعا النبي ( لابن عباس:"اللهم فقِّهه في الدين وعلمه التأويل"، فإن كان التأويل مسموعًا كالتنزيل، فما فائدة تخصصه بذلك؟.. وإنما النهي يحمل على وجهين:"
أحدهما ـ أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق هواه، ليحتج على تصحيح غرضه.. الخ.