وبالجملة فيكاد يتفق من ترجم للسيوطي من المؤرخين أنه يأتي مجليًا في مقدمة الطبقة الأولى من علماء رأس المئة التاسعة. ولكن ـ جل جلال المتفرد بالكمال وسبحانه ـ، فإن شدة ولع السيوطي بالتأليف، وعرامة شهوته إلى الإكثار من إخراج الكتب: مجلداتها، أجزائها، رسائلها، قد أزجياه إلى مزالق ماكان أغناه عنها، فمن ذلك ما نحدس بأنه كانت تعرض له الخاطرة يرى أنها تستحق الكتابة فيها، أو يعن بباله المعنى يجد أنه أهل لأن يؤلف فيه، فيوكل من ذلك إلى أحد من تلامذته، أو من يشتغل عليه، أمر تتبع بعضه في مظان يهديه إليها، فيجمع ذاك منها ماشاء الله أن يفعل في تلك الخاطرة أو ذاك المعنى، وقد يؤلف بين ما جمعه من نقول، ثم يعرض محصوله على الشيخ، فيسرع النظر فيما صنع، وقد يضيف أشياء يسيرة من تمهيد أو خاتمة، ثم يضع اسمه على الكتاب أو الجزء أو الرسالة، ويخرج ذلك لتتداوله أيدي النساخ والقراء. ولا نستبعد أن تكون رسالته (البيان في رياضة الصبيان) من هذا القبيل.
ولعله ـ من ناحية أخرى ـ حين يستبد به عرام شهوته إلى التأليف قد يكتفي بتعقيبات أو تعليقات أو مايراه إصلاحًا لكتاب ما يراه محتاجًا إلى ذلك، فيخرج من هذا النحو كتبًا، أو أجزاء، أو رسائل تحمل عناوين جديدة، وبذلك ترك لنا هذا المحصول الوافر من المجلدات والكتب.
*خاتمة: فضل السيوطي على المكتبة العربية الإسلامية:
ومهما يكن من أمر فإن الجلال بما أوعبه من معارف موسوعية متعددة الفنون والألوان، وبما أوتي من مقدرة فائقة على لملمة ما تشعث من نصوص للمعنى الواحد، وحصافة أصيلة في التهدي إلى موضوعات فيها الجدة والطرافة والابتكار، وسعة اطلاع على ذخائر ما زخرت به المكتبة العربية الإسلامية من موروث المعارف إلى عصره، كل ذلك ملكه قدرة مطواعة على أن يخرج للناس كتبًا فرائد حفيلة في أبوابها، أمثال: