إن المطلع على الكتاب يجد أن المادة التاريخية هي لب الكتاب وعموده، فالمادة التاريخية تبدأ من الجزء الثالث عشر، ولا تنتهي إلا بنهاية الكتاب والذي ربما وصلت أجزاؤه إلى ثلاثين جزءًا، أما المعارف العلمية فقد جاءت متفرقة في الأجزاء الأولى من الكتاب أو في الفنون الأربعة الأولى منه، والتي كما قلنا خصصها لدراسة السماء والأرض والإنسان والحيوان والنبات. وسوف نقوم في هذه الدراسة باستعراض هذه المعارف العلمية التي كانت تهم أهل ذلك العصر ومن قبلهم. وسوف نركز في هذه الدراسة على العلوم والمعارف العلمية التالية:
1 ـ علم الفلك: (9)
يرى النويري أن الله سبحانه قد خلق الكون على هيئة جوهرة عظيمة، فلما نظر إليها اشتد خوفها فانماعت وعلاها من شدة الخوف زبد ودخان، فخلق الله الأرض من الزبد، وخلق السماء من الدخان، وهو يستشهد على ذلك بقوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان((10) ، وهو يرى أن السماء مسطوحة (11) مستشهدًا بقوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت(.(12) .
وينقل عن غيره آراءهم في الفلك، فالفلك يعني السماوات السبع عند بعضهم وهو الشمس والقمر والنجوم عند آخرين والبعد بين وسماء وسماء كبير يمتد خمسمائة عام.
وبعد أن يستشهد بالأشعار التي نظمها الشعراء في الفلك ينتقل إلى الملائكة ثم إلى الكواكب والنجوم. والكواكب السيارة عنده سبعة ويسميها المتحيرة (13) وهي: زحل والمشتري والشمس والزهرة وعطارد والقمر، وهي التي ذهب المفسرون إلى ورودها في قوله تعالى: (فلا أقسم بالخنس، الجواري الكنس(.(14) .
ويرى أنها سميت كنَّسًا لأنها تجري في البروج ثم تكنس أي تستتر، وسميت خنسًا لاستقامتها ورجوعها.
أما لماذا سمّتها العرب بهذا الاسم فيفسرها تفسيرًا لطيفًا (15) .
فزحل سُمي من قولنا زحل فلان: إذا أبطأ وبذلك سُمي زحل بهذا الاسم لبطئه في السماء أو الزحل: الحقد (16) .