والمطبوع من الشعراء من سمح بالشعر، واقتدر على القوافي، وأراك في صدر بيته عجزه، وفي فاتحته قافيته، وتبينت في شعره رونق الطبع، ووشي الغريزة، وإذا امتحن لم يتلعثم ولم يتزحّرْ.
والشعراء في الطبع مختلفون، منهم من يسهل عليه المديح، ويعسر عليه الهجاء، ومنهم من تتيسر له المراثي، ويعسر عليه الغزل، ولما قيل للعجاج إنك لا تحسن الهجاء قال: هل رأيت بانيًا لا يحسن الهدم؟
ويرد ابن قتيبة على قول العجاج مبينًا خطأه، لأن المديح بناء والهجاء بناء، وليس كل بانٍ بضرب بانيًا بغيره، فذو الرمة مثلًا أحسن الناس تشبيهًا، وأجودهم تشبيبًا، وأوصفهم لرمل وهاجرة... فإذا صار إلى المديح والهجاء خانه الطبع، وكان الفرزدق زير نساء وصاحب غزل، وكان مع ذلك لا يجيد التشبيب، وكان جرير عفيفًا عن النساء، وهو مع ذلك أحسن الناس تشبيبًا، وكان الفرزدق يقول:"ما أحوجه مع عفته إلى صلابة شعري، وما أحوجني إلى رقة شعره!".
ثم ينهي مقدمته بذكر عيوب الشعر كالإقواء والإكفاء والسناد والإيطاء والإجازة وعيوب الإعراب، كتسكين المتحرك، وقصر الممدود، وصرف غير المصروف... ويقول: ليس للمحدث أن يتبع المتقدم في استعمال وحشي الكلام، الذي لم يكثر، واستعمال اللغة القليلة في العرب كإبدالهم الجيم من الياء كقول القائل:
يارب إن قبلت حجتج. يريد: حجتي.
نقد المقدمة
لم يتناول ابن قتيبة النصوص والشعراء بنقد فني تطبيقي، وإنما اكتفى بأن عرض في مقدمته لبعض المسائل العامة محاولًا أن يضع لها مبادئ...