فهرس الكتاب

الصفحة 10838 من 23694

وبعد، إذا كان قصدنا في هذه الصفحات هو إبراز حجم حضور المعاني القرآنية في الشعر الجزائري الحديث، ومدى ارتباط هذا الشعر بمحفوظ الشعراء من القرآن الكريم، الذي كان يمثل العمود الفقري لثقافة شعراء الحركة الإصلاحية في الجزائر، فإن ما لابد من الاعتراف به هو أن التوفيق لم يحالف الشعراء دائمًا في صياغة هذه المعاني، لذلك ترى الواحد منهم أحيانًا يردد المعنى الذي استوحاه من هذا النبع بنفس الألفاظ التي وردت فيها في القرآن، أو يحتفظ بجل ألفاظ العبارة القرآنية في بيته، ويمكنك أن تعود إلى النماذج التي استشهدنا بها لتتأكد من هذه الظاهرة، لذلك تحول الشاعر في بعض الأحايين إلى مجرد ناظم لما تُمدّه به ذاكرته من معان، فلا تكاد تحس بقدرته الإبداعية التي تلمسها في أشعار أخرى له. ومرجع ذلك أن الشعراء تعاملوا مع المعنى القرآني في بعض أشعارهم بحسبه بضاعة جاهزة دون أن يتمثلوه تمثلًا كاملًا ليصبح عنصرًا عضويًا في التجربة المعبر عنها بعد أن ينصهر مع بقية العناصر المكوِّنة لها، من ثم جاءت المعاني القرآنية في عدد من النماذج التي أثبتناها باردة لا تكاد تحرك فيك شعورًا، وإذا عدت إليها في مواطنها الأصلية في القرآن الكريم وجدت نفسك في جوٍّ آخر غير الجو الذي كنت فيه بما تُثيرُهُ فيك من إحساسات وتنبهه لديك من مشاعر وأفكار. فهل لطبيعة الدور التوجيهي التربوي الذي انتدب الشعراء أنفسهم له في المجتمع الجزائري أثر في هذا التوظيف المباشر للمعنى القرآني؟ وهل لمفهوم الشعر عند الشعراء الإصلاحيين تأثير ما على هذه الطريقة في التعامل مع ما أمدهم به هذا المصدر الثر من مادة وافرة في معالجة القضايا التي كانت تلح عليهم؟ وأخيرًا هل رأى الشعراء أن سلوك مسلك آخر في استخدام المعاني القرآنية لا يكون له التأثير الكبير على جمهورهم ففضلوا عرضها عرضًا مباشرًا عليه؟

*الهوامش:

(1) ـ الشعر الجزائري الحديث تأليف د.محمد ناصر، ص 25 ـ 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت