كان الأوربيون لأمد قريب يعتقدون أن مصدر الحضارة الإنسانية وعلومها هو بلاد اليونان. ولكن حينما استطاع علماؤهم في مطلع القرن التاسع عشر قراءة الكتابة الهيروغليفية في مصر، والكتابات المسمارية في بلاد الشرق الأوسط، تأكد لهم أن هذه البلاد هي التي أنبتت أقدم الحضارات، والتي يعود تاريخها إلى الألف الخامس أو الرابع قبل الميلاد. وفي كتاب تاريخ العلم لسارتون، وقصة الحضارة لديورانت، اعتراف صريح بذلك.
لقد ظهر أوائل فلاسفة اليونان وأشهر علمائهم خلال الفترة الممتدة بين القرنين السادس والثالث قبل الميلاد. وزار بعضهم أمثال تاليس وفيثاغورس بلاد الشرق الأوسط حيث استمدوا نظرياتهم الرياضية والهندسية. كما اعترف بعضهم أمثال أبقراط وجالينوس بحصولهم على كثير من الوصفات الطبية من المعابد المصرية. ويذكر العالم سارتون أن أول موسوعة وضعت في علوم البيئة النباتية والحيوانية والسكانية كانت من تأليف العالم الفينيقي ماجو، الذي عاش في قرطاجة زمن الحكم الروماني.
مما لا شك فيه أن أهم الإنجازات العلمية القديمة ظهرت في مدينة الإسكندرية، منذ القرن الرابع قبل الميلاد، وقد تمت في المعاهد التي نشأ فيها التعاون بين التفكير العقلي المجرد، الذي اشتهر به فلاسفة اليونان، مع المهارات الفنية والعملية التي ازدهرت في مصر وبلاد الشرق الأوسط. وكانت حصيلة هذا التلاقح ظهور علماء أفذاذ أمثال بطليموس القلوذي مؤسس علم الفلك، وأرخميدس الصقلي مؤسس علم الحيل (الميكانيك) ، وإقليدس الإسكندري واضع أصول الهندسية، وغيرهم كثيرون.