"يا معشر عدوان إن الخير ألوف عزوف، ولن يفارق صاحبه حتى يفارقه. وإني لم أكن حكيمًا حتى آتيت الحكماء، ولم أكن سيدًا حتى تَعَبَّدتُ لكم" (25) .
ومما أثر عن قاضي عكاظ الرصانة والعفة والحلم، فقد كان واحدًا ممن حرَّموا الخمر والسكر والأزلام في الجاهلية، الأمر الذي يثير ظنًا بأنه ربما كان واحدًا ممن طلب الحنيفية، أو تعلق بها، كما فعل أفراد معروفون في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، كان من بينهم الشاعر الجاهلي أميّة بن أبي الصَّلت.
ونعت عامر بأنه"ذو الحلم"وهو المعني في قول المتلمِّس:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا
واختلفت الرواة والأدباء في من هو"ذو الحلم"؛ فقال ابن الأعرابي (231ه) : هو عامر بن الظرب، وقيل بل هو عمرو بن حممة الدوسي. ولقب بـ"ذي الحلم"كثيرون، منهم سعد بن مالك، وعبد الله بن الحارث بن همام، وقيس بن خالد ذو الجدَّين... (27) . ... في ابنَي نزار ورأينا غلبا
وللقرع بالعصا قصة ذكرها الجاحظ، وآخرون غيره، أما الجاحظ فقال: ان شاعرنا"لما أسنَّ واعتراه النسيان أمر ابنته أن تقرع له العصا إذا هو فَهَّ عن الحكم وجار عن القصد، وكانت من حكيمات العرب حتى جاوزت في ذلك مقدار صُحر بنت لقمان، وهند بنت الخس، وجمعة بنت حابس" (28) . وجاء في رواية أخرى أن الذي كان يقرع العصا لعامر ابنه الثاني، وليس ابنته (29) . وسواء أكان من ينبه عامرًا، حين يَفِهُّ عن الحكم، الابن أو البنت أو الجارية، فإننا نشعر أن طابع السذاجة ومسحه الخرافة لم يفارقا ذلك الخبر.
وقد كان لعامر حظ من البلاغة والخطابة كما أشرنا، فقد قال الجاحظ:"ومن الخطباء العرب والبلغاء أكْثَم بن صَيْفي، وربيعة بن حذار، وعامر بن الظرب.." (30) .
وتقضي صفات عامر الآنفة نضجًا وعمرًا كبيرين. وفي حوزتنا أخبار كثيرة عن طول عمر شاعرنا، فهو واحد من المعمَّرين، وعمره، عند أبي حاتم، مائتا سنة (31) .