"ولهذا كان أولئك الذين فحصوا كشوف أعداد السكان بمجموعها أو على الأصح عدد القادرين على حمل السلاح مما جاء في التوراة استغربوا جواز احتمالها. فالكشوف تستلزم كون السكان يبلغ مجموعهم خمسة ملايين نسمة كسكان مصر وما بين النهرين على الرغم من ضآلة مساحة المنطقة وقلة غناها بالنسبة إلى ذينك القطرين. ثم إن سرعة التناسل تبدو غير مقبولة في تلك التواريخ المعروضة." (28)
وجرى على نهج هذا الدحض الأستاذان غيوم وبوسو في كتاب لهما حديث بعنوان"الديمغرافية التاريخية"فألحا على امتناع أرقام التوراة حين ننظر إلى تاريخ البلد أو المنطقة في ذلك العصر."فذلك العدد يتضمن وجود أكثر من خمسة ملايين نسمة وهذا غير ممكن. وقلة دقة الأرقام يثبتها علم السكان نفسه لأن معدل النمو حينئذ يكون أسرع مما هو ممكن. كذلك توزع الجنسين والأعمار ممتنع." (29)
من جرّاء الطريقة التي سلكها ابن خلدون اتسعت صدور بحوثه لكثير من الظواهر الاجتماعية، كما أتاحت النفوذ إلى كنه هذه الظواهر واشتباكها والإلمام بطبائعها التي هي طبائع العمران على حد تعبيره. لذلك لا يكاد الباحث الاجتماعي اليوم يطالع كتب علماء الاجتماع وفلاسفة التاريخ دون أن يتذكر ابن خلدون ويعقد شيئًا من الموازنة بين آرائه وآرائهم. فهو يذكره حين يقرأ جيوفاني باتيستافيكو الإيطالي (1668 -1744) في كتابه"العلم الجديد"ومونتسكيو الفرنسي (1689 -1755) في كتابه"آراء في فلسفة تاريخ الإنسانية".