على أن أول مؤلف نقدي وصلنا هو من تأليف الناقد محمد بن سلام الجمحي (-232هـ/ 846م) صاحب كتاب"طبقات الشعراء" (1) . فقد جعل شعراء الجاهلية عشر طبقات وضع في كل طبقة أربعة شعراء على أساس قوة شعرهم أولًا، وتشابه أشعارهم ثانيًا، وغزارة إنتاجهم ثالثًا.
بعد ابن سلام جاء الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (-255هـ/ 868م) .
لم يكن الجاحظ ناقدًا، ولكنه كان كاتبًا موسوعيًا ترك نظرات في الشعر أثرت بالنقاد من بعده وقف الجاحظ ضد الرواة المحافظين إلى جانب شعراء عصره، ففضل أبا نواس الحضري الفارسي على شعراء البدو من الأعراب. وكما أنه قال إن المعاني أقل أثرًا في الشعر من الأسلوب.
أما عبد الله بن مسلم بن قتيبة (2) (-276هـ/ 889م) فقال إن عنصري اللفظ والمعنى متساويان في الشعر وقد قسم الشعر إلى ما حسن لفظه ومعناه أو ما حسن لفظه دون معناه أو ما حسن معناه دون لفظه، وهكذا.. كما كان أول من تحدث عن أثر الطبع (أو الموهبة) في نظم الشعر. وأخيرًا فإن ابن قتيبة منع الشعراء من تغيير أقسام قصيدة المديح، وحدد هذه الأقسام بأنها: الوقوف على الأطلال، وصف رحلة الشاعر إلى الممدوح، تذكر الشاعر لحبيبته ونسيبه بها، المدح. هذه الأقسام الأربعة تقتصر على القصيدة الرسمية التي يمدح بها أميرًا أو خليفة. لكن تشدد ابن قتيبة إزاءها جعل اسمه يقترن بالمحافظة على التقليد الموروث، ولو أنه كان متحررًا فتقبل شعر معاصريه وفضله أحيانًا على شعر القدماء، كما رأينا.