في مثل هذا المناخ الفكري المتخلف والحالة الاجتماعية المتردية.. تصاب المحاكمة المنطقية بالعطالة ويغدو الذهن جاهزًا لتقبل الشائعات وتصديقها... دون إعمال الفكر بالنظر فيها وغربلتها. وهكذا كما يذكر البديري شاع خبر في دمشق أن امرأة تحتال على الرجال والأولاد، فخاف الناس وكثر الفزع، ولم تمض أيام كثيرة حتى قبض العامة عليها، وخلفها الأولاد والرجال يضربونها ضربًا موجعًا. وعند مثولها أمام القاضي قالت:
"والله يا سيدي أنا امرأة فقيرة الحال ولي أولاد وعيال، وهذا القول عني زور وبهتان". فأمر القاضي بتفتيشها وتفتيش بيتها، فلم يجدوا معها شيئًا يذكر، ولم يعثروا في منزلها على غير متاع عتيق وقطعة من الحصير. وشهد الجيران أنها امرأة فقيرة... فأطلق سراحها ومضت.
ويقدم هذا الكاتب العفوي رجلًا من محلة القبيبات -كانت في آخر حي الميدان- فيصفه بأنه مبارك، من كراماته أنه رأى يومًا رجلًا يبيع علب لبن، فطلب علبة منها، ولما أعطي إياها رفضها، وأشار إلى علبة معينة، فأخذها، ثم لم يلبث أن أفرغها على الأرض فخرجت أفعى، فتركها ومضى.
حين أقام الدمشقيون في الخيام:
بين الأحداث الهامة التي يؤرخ لها البديري الحلاق في هذا الكتاب، الزلزال الذي وقع عام 1759 للميلاد وأشار إليه كمال الدين الغزي في تذكرته الكمالية، وسقطت أثره أبنية كثيرة وقتل عدد كبير من الناس، وكان بين ما تهدم وسقط، رؤوس عدد كبير من مآذن المساجد في دمشق وقبابها، وبينها قبة النسر في الجامع الأموي وثلاث قباب من خان أسعد باشا في البزورية. ويوضح البديري أن هذا الزلزال قد تجدد، مثلما كان الغزي قد ذكر، واشتدت الرياح وتساقُط المباني حتى غادر دمشق أهلها... وأقاموا شهورًا في الخيام خارجها، حتى هدأت عوارض الزلزال تمامًا.