أما الصورة الثانية، أي استحسان استخدام بعض الألفاظ مفردة فقط، فقد كان عند ضياء الدين منها أكثر من مثال قرآني. وجلَّها تنصر مذهبه في أن الذكر الحكيم يأنف عن استخدام أي لفظ ليس له حظ من الجمال وأسبابه. يقول:"وفي ضد ذلك (أي ما ورد استعماله مجموعًا فقط) ما ورد استعماله من الألفاظ مفردًا ولم يرد مجموعًا، كلفظة الأرض، فإنها لم ترد في القرآن إلا مفردة فإذا ذكرت السماء مجموعة جيء بها مفردة معها في كل موضع من القرآن، ولما أريد أن يؤتى بها مجموعة قيل: (ومن الأرض مثلهن) في قوله تعالى: (الله الذي خلق سبعَ سمواتٍ ومن الأرض مثلَهنّ(. ومما ورد من الألفاظ مفردًا فكان أحسن مما يرد مجموعًا لفظةً"البُقْعة"، قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام: (فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة يا موسى إنّي أنا اللهُ(، والأحسنُ استعمالها مفردة لا مجموعة، وإن استعملت مجموعة فالأولى أن تكون مضافة كقولنا: بقاع الأرض، أو ما جرى مجراها(42) "، ونحسب أن استحسان لفظة ما مفردة واستهجانها مجموعة يرجع إلى السبب الذي ردده ضياء الدين كثيرًا؛ أي مجافاة الرفق في التعامل مع أدوات النطق عند الإنسان مما يثقل كاهلها. وهو أمر يناقض الأساس الأول في تلقي ما هو جميل، أي السهولة والدماثة والاعتدال. ذلك أن إدراك الجمال ينبغي أن ينتفي معه أي إحساس بالإرهاق والتعب. ولعله لهذا السبب ما جعل أرسطو الجميل ما أدرك بلحظة واحدة.