وفي الإشارات التي وجدنا يأخذ مصطلحًا (ديوان) و (شعر) معنىً واحدًا، لأن المصادر القديمة في أغلب الأحيان لم تكن لتميز بينهما تمييزًا دقيقًا. وأقدم هذه الإشارات ما رواه أبو أحمد العسكري (382ه) بسنده، فقال في مجلس:"أخبرني محمد بن يحيى، أخبرنا أبو ذكوان، حدثنا موسى بن سعيد بن سَلم قال: كان ابن الأعرابي يؤدبنا، فدخل الأصمعي، ونحن نقرأ شعر ابن أحمر:"
أغَدْوًا واعَدَ الحيُّ الزِّيالا
إلى أن بلغنا إلى قوله: ... وأبيض مثل صدر السيف نالا
أرى ذا شيبة حمَّال ثقل
فقال الأصمعي:"بالا"، فصاح ابن الأعرابي:"نالا، نالا"بالنون من النوال، فقال الأصمعي لنا: ان الشاعر قد فرغ من هذا، فقال: فيهم شيخ حمَّال ثقل، وهو الذي يُنيل، ويعطي، وفيهم شاب مثل صدر السيف بالًا، أي: حالًا، وهو كالسيف في حاله وبأسه (3) ، وأضاف العسكري في المجلس ذاته:"فحدثني يمون بن المزرَّع عن أبي أمامة الباهلي، وحضر المجلس، أن ابن الأعرابي افتَضَح بهذا، ثم احتال، فأحضر نسخة فيها شعر عمرو بن أحمر، وقد غيَّر البيت الأول منها: فجعله: ... وشوقًا لا يبالي العَين بالا"
أغَدوًْا واعَدَ الحيُّ الزِّيالا
ثم قال: معنى الأصمعي صحيح، ولكن كيف يردد ابن أحمر قافيتين في قصيدة، فزادت فضيحتهم لضعف المصراع الذي غيره وإحالة معناه" (4) . وفي الخبر الأول إشارة واضحة إلى أن ثمة كتابًا، يقرأ في ذلك المجلس، وأما الخبر الثاني، فهو يدل دلالة صريحة على نسخة لابن الأعرابي من ديوان ابن أحمر. ... أضري ابنِ قرَّانَ بات الوحش والعزبا" (5)
ويبدو أن أبا أحمد العسكري نفسه قد قرأ شعر ابن أحمر على أبي بكر بن دريد (321ه) ، ويدل على ذلك قوله:"قرأت عليه في شعر ابن أحمر:"
حتى إذا ذرَّ قرن الشمس صبَّحها