وبعد تلقيه العلم صار أبو السعود عالمًا كبيرًا وانتشرت شهرته حتى قال عنه بعض من ترجم له:"ثم طارت سمعته, وفاضت شهرته, وعظم صيته".
تولى الإمام أبي السعود التدريس في كثير من المدارس التركية, ثم تقلد قضاء بروسة, ثم نقل إلى قضاء القسطنطينية, ثم نقل إلى قضاء ولاية العسكر في ولاية روم أيلي, ودام عليها ثمان سنين [1] .
وبعد وفاة المولى سعد الله بن عيسى بن أمير خان, تولى مكان الفتيا, فقام بأعبائها أتم قيام وذلك سنة (952هـ) ومكث في الإفتاء نحوًا من ثلاثين سنة, اظهر الدقة العلمية التامة, والبراعة في الفنون والتفنن فيها.
وقد ذكر عنه أنه كان يكتب جواب الفتوى على منوال ما يكتبه السائل من الخطاب. فإن كان السؤال منظومًا, كان الجواب منظومًا كذلك مع الاتفاق بينهما في الوزن والقافية, وإن كان السؤال نثرًا مسجعًا كان الجواب مثله, وإن كان السؤال بلغة العرب فالجواب بلغة العرب, وإن كان بلغة الترك كان الجواب بلغة الترك, وهكذا مما يشهد للرجل بسعة أفقه, وغزارة مادته.
وفي المجمل فإن الإمام أبي السعود, من الذين قعدوا من الفضائل والمعارف على سنامها, وسارت بذكره الركبان في مشارق الأرض ومغاربها, وسارت أجوبته في جميع العلوم وجميع الآفاق مسير النجوم, ولقد حاز قصب السبق قصب السبق بين أقرانه, ولم يقدر أحد أن يجاريه في ميدانه, وانقطع عن القرين والمماثل في كل بلد, وحصل له من المجد والإقبال والشرف والإفضال ما لا يمكن شرحه بالمقال.
المطلب الثالث: أهم الصفات التي امتاز بها:
كان الإمام أبي السعود طويل القامة, خفيف العارضين, غير متكلف في الطعام واللباس, فكان ذا مهابة عظيمة, واسع التقرير سائغ التحرير يلفظ الدرر من كلمة وينثر الجوهر من حكمه بحرًا زاخرًا وطودًا باذخًا.
وله شعر كثير منه قصيدته الميمية الطويلة التي أولها:
أبعد سليمى مطلب ومرام ... وغير هواها لوعة وغرام
وفوق حماه ملجأ ومثابة ... ودون ذراها موقف ومقام
وينسب إليه البيتان اللذان أجيب بهما بيت العجم وهما:
نحن أناس قد غدا دأبنا ... حب علي بن أبي طالب
يعيبنا الناس على حبه ... فلعنة الله على العائب
(1) - انظر المرجعين السابقين.