أما الناحية العقلية والأدبية ظهرت في العراق في القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي) بوادر نهضة أدبية خطيرة، كتلك التي شهدها القرن الرابع للهجرة في بلاط سيف الدولة بحلب.
ومن خلال رحلة الآلوسي إلى القسطنطينية في سنة سبع وستين بعد الألف والمائتين (1850م) .
اطلع الآلوسي على حقيقة أوضاع الأمة الإسلامية، وأخلاق رجالها، ووضع علمائها، وشؤون مدارسها وجوانب قوتها وضعفها، والمشاكل التي كانت تعانيها.
توفي الآلوسي أثناء رجوعه من اسطنبول إلى بغداد، فعرجت روحه في الخامس والعشرين من ذي القعدة من سبعين ومائتين وألف، حيث صلت عليه أغلب البلاد الإسلامية صلاة الغيبة.
ثقافته واتجاهاتها، كانت ثقافة الآلوسي ذات اتجاهات عدة، هضمها درسًا وبحثًا وتمحيصًا على أيدي أساتذة مهرة، وشيوخ أجلاء، وكانت ثقافته هذه عبارة عن العلوم النقلية من اللغة وفروعها والتفسير والحديث والفقه والأصول، والعلوم العقلية من المنطق والفلسفة والهيئة والكلام.
ولم تقف ثقافة الآلوسي عند حدود العلوم التي كانت تدرس في المدارس، والمعارف التي كانت متداولة في بلاد الإسلام في عصره، وإنما تجاوزتها إلى ما استجد من العلوم في عصره، وخاصة في أوروبا. أما ثقافته الصوفية فقد اتصل بها عن طريق دراسة كتب كبار رجالاتهم، والتلمذة على شيخ فاضل من شيوخهم وهو (مولانا ضياء الدين خالد النقشبندي) . وللآلوسي اطلاع واسع على التأريخ العام، والتواريخ الخاصة بالعلوم، وعلم الجغرافية أما دراسته للأديان والملل فكانت دراسته عميقة متبصرة، وهذا يظهر ذلك واضحًا في كل ما كتبه في تفسير الآيات التي تتحدث عن أهل الكتاب، وكان الآلوسي على معرفة حسنة باللغة الفارسية. [1]
هناك كانت صفة بارزة في تحديد الملامح الاجتماعية الآلوسي وهي إيمانه القوي بالمثل العليا التي جاء بها الإسلام، فعلى الرغم من أنه كان من أسرة الرسول أبًا وأمًا، إلا أنه لم يستغل نسبه في بناء مجده، وكان شديد التمسك بأخلاق السلف الصالح، وكان الآلوسي متواضعًا حقًا، لا يدعي علمًا، بل هو في كل مناسبة يبين أنه ليس من فرسان ميادين التفسير، وأنه لم يقدم على التفسير إلا تشبهًا بالمفسرين.
كان الآلوسي من أشد أنصار الدولة العثمانية، ومن أقوى الدعاة لها. [2]
استغرق الآلوسي في تفسيره أربع عشرة سنة وسبعة أشهر وأحد عشر يومًا، وتحدثوا أن سلوكه في تفسيره كان أمرًا عظيمًا، فإن نهاره كان للإفتاء والتدريس، فيكتب بأواخر الليل منه ورقات
(1) الآلوسي مفسرًا، د. محسن عبدالحميد، 63.
(2) المصدر السابق، ص73.