هذه الآفات والظواهر المرضية دفعت الكثير ممن نصبوا أنفسهم قادة فِي مجال الحزبيات والطائفيات ، وقد يكونون جهلة بأبسط الأحكام الشرعية ، إلى انتزاع صلاحيات الإمامة العظمى ، فأعطوا أنفسهم صلاحيات ما تقتضيه البيعة للإمامة العظمى ، وأصبحوا يشهرون سيف الخروج عن الطاعة ومخاطر الانخلاع من البيعة فوق رؤس العباد من الأتباع ، أو إن شئت فقل: فوق السائرين بلا رؤوس من الأتباع ، لأن المتعصب لا رأي له ، وعند ذلك تنتهك الحرمات تحت شعارات إسلامية ، وتقام المؤسسات التي تأكل أموال الناس وتستهين بها ، تحت شعار الإسلام ، وتزهق الأرواح باسم الإسلام ، ويستبد التعصب حتى يصل الأمر بأن تنسخ آية واحدة من آيات القرآن (آية السيف) سائر الآيات والأحكام التي تعتمد الدعوة والحوار والمباهلة والمجادلة بالتي هي أحسن والقول اللين ، ويُدّعى أن ذلك قول الجمهور ، ويسقط القلم من الأيدي ، ويشهر السلاح ، ليسقط البرهان ويرفع السنان ، والله سبحانه وتعالى يقول: (( لا إِكْرَاهَ ) ) (البقرة: 256) حتى فِي الحقائق الإلهية المطلقة المنزلة من السماء ، ويقول للرسول القدوة صلى الله عليه وسلم: (( لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ ) ) (الغاشية: 22) ، ويقول: (( وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ) ) (ق: 45) ، ويقول: (( يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ ) ) (الممتحنة: 8) ، وعند ذلك تبدأ رحلة الضلال والتضليل والعبث بالأحكام الشرعية ، وتنزيلها على غير محالها ، ودون توفر حالاتها وشروطها ، ويسود جو من الإرهاب الفكري الذي يقضي على كل شيء .