وإدارة الخلاف تعني - فيما تعني - معرفة كيفية الانتهاء والوصول إلى الرأي الراجح ، ومن ثم اقترانه بالتنفيذ ، مع الاعتراف ببقاء ووجود المرجوح ، فقد تتغير الظروف وتأتي معطيات التطبيق ليصبح المرجوح راجحاً ، لذلك نرى أن الاجتهادات والمدارس الفقهية الكثيرة ، وتعدد الآراء ، حتى على مستوى المذهب الواحد ، حيث يخالف الإمام تلامذته أو التلامذة إمامهم إذا تبينت لهم قرينة ، تشكل مساحات خصبة لاختيار الاجتهاد الملائم ومن ثم اعتماده للتنفيذ.. فالقضاء الملزم فِي أصله لا يخرج عن أن يكون رأياً اجتهادياً اختير من بين سائر الآراء لملاءمته ، واقترن بالتنفيذ والإلزام ، دون التضييق على العقول والاجتهادات الأخرى ، التي بقيت لها حرية النظر والتي تبقى قرائن ودلالات واجتهادات مساندة ومحققة للقضاء القانوني ، لكنها ليست قانوناً ملزماً.
ولعل تراثنا الفقهي والفكري ومدارسنا الاجتهادية واجتهاداتنا السياسية التاريخية ، حتى ضمن إطار المذهب الواحد ، بدءاً من اجتهادات الصحابة وخلافاتهم ، وهم خير القرون ، ومروراً بالمذاهب الفقهية والفكرية ، دليل على مدى حرية الرأي التي شرعها الإسلام بعيداً عن الإرهاب الفكري أو التعصب الفقهي ومحاولات إقصاء الرأي (الآخر) ، وإن حدث شيء من التعصب والغلو فيمكن القول: بأن الشذوذ دليل استقرار القواعد وتقعيدها.
إن الإطلاع على الرأي (الآخر) ومناقشته وحواره وتتبع استدلالاته ، ومحاورة صاحبه ، سبيل لتمرين العقل وتنميته ، وتوسيع المدارك ، وبناء المشترك الإنساني ، وتوسيع دائرة التفاهم ، فإذا كان الإنسان ذاته بعد فترة من استزادة الإطلاع والمعرفة والتجربة يصبح له رأي آخر مختلف عن ما سبق له ، وأن ما سبق له من رأي يحتاج إلى التأمل والمراجعة وعدم التنكر ، فما بالنا (بالآخر) الخارج عن الذات ؟