ولما قال صلّى اللّه عليه وسلم إلى عبد اللّه بن حوريا وكعب بن الأشرف يا معشر اليهود اتقوا اللّه وأسلموا فو اللّه إنكم تعلمون أن الذي جئتكم به حق وصدق ، قالوا: ما نعرف ذلك وأصروا على جحودهم أنزل اللّه"يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ"لأن القرآن مصدق للتوراة"مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً"نمحو تخطيط صورها من عين وأنف وحاجب وفم"فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها"أي على هيئة قفاها مطموسة لا شيء فيها أو نديرها فنجعل الوجه إلى خلف والقفا إلى قدام"أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ"أي نمسخهم كما مسخناهم قردة وخنازير ، ويرمي هذا الالتفات من الخطاب إلى الغيبة إلى التهديد العظيم وإيقاع الوعيد بهم"وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا" (47) البتة لا يحول دونه حائل ولا يرده راد.
ولما كان حضرة الرسول يعلن ما ينزل إليه من القرآن حال نزوله سمع في هذه الآية عبد اللّه بن سلام وكان قافلا من الشام فجاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم حال وصوله المدينة قبل أن يأتي أهله وأسلم ، وقال يا رسول اللّه ما كنت أرى أن أصل إلى أهلي قبل أن يطمس اللّه وجهي إلى قفاي ، لأني سوّفت بالإيمان ، ولذلك بادرت إليك وحسن إسلامه رضي اللّه عنه ، وكان إسلامه على الصورة المبينة في الآية 10 من سورة الأحقاف في ج 2 وأسلم معه جماعة من أتباعه وغيرهم بعد نزول هذه الآية العظيمة ، وكل ما قيل بأنه أسلم قبل نزول هذه الآية لا صحة له كما أوضحناه هناك فراجعه.
واعلم أن صدر هذه الآية لم يكرر في القرآن كله.