وفي قوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) ما يدل على أَنهم في حقيقة أَمرهم لا ينتفع بهم، والشأَن فيهم أَنهم ببسط أَجسامهم وذرابة أَلسنتهم أَهل لأَن يذودوا عن الإِسلام، ويدافعوا عنه في ساحة الوغى وميادين القتال مع قدرتهم على بيان ما أَنزل الله على رسوله تبليغا لغيرهم ودعوة لسواهم إِلى الإِسلام، ولكنهم لما نافقوا كانوا كالخشب المسندة التي لا تؤدي وظيفتها وما تصلح له من عمل في سقف أَو جدار أَو باب أَو نافذة إِلى غير ذلك من مظان الانتفاع ثم هي فوق ذلك عبء على سواها؛ لأَنها تلقي بثقلها على ما تستند إِليه، وهم بذلك لا يسمعون ولا يعقلون أَشباح بلا أرواح وأَجسام بلا أَحلام (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) أَي: يظنون كل صوت عال واقع عليهم وضارٌّ بهم لجبنهم وهلعهم وللرعب والخوف الذي تمكن من قلوبهم فإِذا نادي مناد بصوت في العسكر إِبان الحرب أَو انقلتت دابة أَو أُنشد وطلب شيء قد ضاع من صاحبه ظنوا ذلك إِيقاعًا، وإِنزالًا للنكال بهم، وقيل: كانوا على
وجل وخوف من أَن ينزل الله فيهم ما يهتك أَستارهم ويكشف نفاقهم ويبيح دماءَهم وأَموالهم لكفرهم ونفاقهم.
(هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) أَي: هم وحدهم الذين تناهوا في العدواة وبلغوا فيها مبلغًا كبيرًا فخذ حذرك منهم، ولا تغتر ولا تنخدع بإسلام ظاهرهم؛ لأَن أَعدى الأَعداء العدو المداجي الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداءُ الدويّ. (قَاتَلَهُمْ اللهُ) هذا دعاءٌ عليهم بالطرد واللعن والإِبعاد من رحمته - تعالى - وهو أَيضا تعليم للمؤمنين أَن يدعوا عليهم بمثل ذلك شريطة أَلا يكون اللعن لكافر أَو منافق بذاته خشية أَن يكون ممن كتب الله لهم الإِيمان وختم به حياتهم (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) هذا تعجيب من جهلهم وسفاهتهم أَي: كيف يُصرفون عن الحق مع معرفتهم له وتحقيقهم منه وقال ابن عباس: (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) أَني يكذبون.