{لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} إن صدقتم في الإيمان ، فإن قضية الإيمان غلبة حب الله على محبة كل شيء ، فلا تكن محبتهم ومحبة الدنيا ، من شدة التعلق بهم وبالأموال ، غالبة في قلوبكم على محبة ، فتحتجبوا بهم عنه ، فتصيروا إلى النار ، فتخسروا نور الاستعداد الفطري بإضاعته فيما يفنى سريعاً ، وتجردوا عن الأموال بإنفاقها وقت الصحة والاحتياج إليها ، ليكون فضيلة في أنفسكم ، وهيئة نورية لها ، فإن الإنفاق إنما ينفع إذا كان عن ملكة السخاء ، وهيئة التجرد في النفس . فأما عند حضور الموت ، فالمال للوارث لا له ، فلا ينفعه إنفاقه ، وليس إلا التحسر والتندم ، وتمني التأخير في الأجل بالجهل ، فإنه لو كان صادقاً في دعوى الإيمان ، وموقناً بالآخرة لتيقن أن الموت ضروري ، وأنه مقدر في وقت معين قدره الله فيه بحكمته ، فلا يمكن تأخره .
{وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: بأعمالكم ونياتكم ؛ فلا ينفع الإنفاق في ذلك الوقت ولا تمني التأخير في الأجل ، ووعد التصدق والصلاح ، لعلمه بأنه ليس عن ملكة السخاء ، ولا عن التجرد والزكاء ، بل من غاية البخل وحب المال ، كأنه يحسب أنه يذهب به معه ، وبأن ذلك التمني والوعد محض الكذب ، ومحبة العاجلة ، لوجود الهيئة المنافية للتصدق والصلاح في النفس ، والميل إلى الدنيا ، كما قال تعالى: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28] والله أعلم .
تنبيه:
قال الإمام إلكيا الهراسي: يدلّ قوله تعالى:
{وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} الآية ، على وجوب إخراج الزكاة على الفور ، ومنع تأخيرها .