واختار صاحب الكشف ما نقل عنه أولاً فقال: الأول أرجح الوجوه لكثرة فائدته من الكناية والإسناد والدلالة على أن مثل هذا الغض لا يتأتى إلا ممن هو مدرب للتقوى صبور عليها فتأمل {لَهُمْ} في الآخرة {مَغْفِرَةٍ} لذنوبهم {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} لغضهم أصواتهم عند النبي عليه الصلاة والسلام ولسائر طاعاتهم، وتنكير {مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ} للتعظيم، ففي وصف أجر بعظيم مبالغة في عظمه فإنه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وجملة {لَهُمْ} الخ مستأنفة لبيان جزاء الغاضين إحماداً لحالهم كما أخبر عنهم بجملة مؤلفة من معرفتين، والمبتدأ اسم الإشارة المتضمن لما جعل عنواناً لهم، والخبر الموصول بصلة دلت على بلوغهم أقصى الكمال مبالغة في الاعتداد بغضهم والارتضاء له وتعريضاً بشناعة الرفع والجهر وإن حال المرتكب لهما على خلاف ذلك، وقيل الجملة خبر ثان لإن وليس بذاك، والآية قيل: أنزلت في الشيخين رضي الله تعالى عنهما لما كان منهما من غض الصوت والبلوغ به أخا السرار بعد نزول الآية السابقة وفي حديث الحاكم.
وغيره عن محمد ثابت بن قيس أنه قال بعد حكاية قصة أبيه وقوله: لا أرفع صوتي أبداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله تعالى: {إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أصواتهم عِندَ رَسُولِ الله} الآية.
وأنت تعلم أن حكمها عام ويدخل الشيخان في عمومها وكذا ثابت بن قيس.
وقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما أنزل الله تعالى: {أُوْلَئِكَ الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منهم ثابت بن قيس بن شماس. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 26 صـ}