وأنت تعلم بعد الرواية الأولى عن هذا التأويل ، ويعلم من هذه الروايات وغيرها أنهم اختلفوا أيضاً في تفسير التقدم ، وفي كثير منها تفسيره بخاص ، وقال بعضهم: إن الآية عامة في كل قول وفعل ويدخل فيها أنه إذا جرت مسألة في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبقوه في الجواب ، وأن لا يمشي بين يديه إلا للحاجة ، وأن يستأني في الافتتاح بالطعام ، ورجح بأنه الموافق للسياق ولما عرف في الأصول من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وفي الكلام عليه بناء على ما قاله الطيبي مجاز باعتبار القدر المشترك الصادق على الحقيقة أيضاً دون التمثيل وتشبيه المعقول بالمحسوس ويسمى في الأصول بعمون المجاز وفي الصناعة بالكناية لأنها لا تنافي إرادة الحقيقة أيضاً ؛ ومن هنا يجوز إرادة لا تمشوا بين يديه صلى الله عليه وسلم ؛ وذكر عليه الرحمة أنه لا يقدر على هذا القول مفعول بل يتوجه النهي إلى نفس الفعل فتأمل ، ويحتج بالآية على اتباع الشرع في كل شيء وهو ظاهر مما تقدم ، وربما احتج بها نفاة القياس وهو كما قال الكيا باطل منهم.
نعم قال الجلال السيوطي: يحتج بها على تقديم النص على القياس ، ولعله مبني على أن العمل بالنص أبعد من التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم: {واتقوا الله} أي في كل ما تأتون وتذرون من الأقوال والأفعال التي من جملتها ما نحن فيه {إِنَّ الله سَمِيعٌ} لكل مسموع ومنه أقوالكم {عَلِيمٌ} بكل المعلومات ومنها أفعالكم فمن حقه أن يتقي ويراقب.
{يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبي}