الرَّابِعُ: دَلَالَةُ السِّيَاقِ، فَإِنَّهَا تُرْشِدُ إِلَى تَبْيِينِ الْمُجْمَلِ، وَالْقَطْعِ بِعَدَمِ احْتِمَالِ غَيْرِ الْمُرَادِ، وَتَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ، وَتَنَوُّعِ الدَّلَالَةِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ، فَمَنْ أَهْمَلَهُ غَلِطَ فِي نَظِيرِهِ، وَغَالَطَ فِي مُنَاظَرَاتِهِ، وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} (الدُّخَانِ: 49) كَيْفَ تَجِدُ سِيَاقَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الذَّلِيلُ الْحَقِيرُ.
الْخَامِسُ: مُلَاحَظَةُ النَّقْلِ عَنِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ، مِمَّا يُعِينُ عَلَى الْمَعْنَى عِنْدَ الْإِشْكَالِ فِي الْقُرْآنِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُسْتَعَارُ الشَّيْءُ لِمُشَابِهِهِ؛ ثُمَّ يُسْتَعَارُ مِنَ الْمُشَابِهِ لِمُشَابِهِ الْمُشَابِهِ؛ وَيَتَبَاعَدُ عَنِ الْمُسَمَّى الْحَقِيقِيِّ بِدَرَجَاتٍ؛ فَيَذْهَبُ عَنِ الذِّهْنِ الْجِهَةُ الْمُسَوِّغَةُ لِنَقْلِهِ مِنَ الْأَوَّلِ إِلَى الْآخِرِ وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} (آلِ عِمْرَانَ: 28) وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ"دُونَ"لِلْمَكَانِ الَّذِي هُوَ أَنْزِلُ مِنْ مَكَانٍ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ الشَّيْءُ الدُّونُ لِلْحَقِيرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْأَحْوَالِ وَالرُّتَبِ، فَقِيلَ: زِيدٌ دُونَ عَمْرٍو فِي الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ، فَاسْتُعِيرَ فِي كُلِّ مَا يَتَجَاوَزُ حَدًّا إِلَى حَدٍّ، وَتَخَطَّى حُكْمًا إِلَى حُكْمٍ آخَرَ، كَمَا فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ وَالتَّقْدِيرُ: لَا تَتَجَاوَزُوا وِلَايَةَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى وِلَايَةِ الْكَافِرِينَ.