وَقَوْلِهِ: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً} (النِّسَاءِ: 11) مَحْدُودَةُ الطَّرَفَيْنِ، فَالثِّنْتَانِ خَارِجَتَانِ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ، وَأَمْسَكَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذِكْرِ الثِّنْتَيْنِ، وَذَكَرَ الْوَاحِدَةَ وَالثَّلَاثَ وَمَا فَوْقَهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْأَخَوَاتِ: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} (النِّسَاءِ: 176) الْآيَةَ، فَذَكَرَ الْوَاحِدَةَ وَالِاثْنَتَيْنِ، وَأَمْسَكَ عَنْ ذِكْرِ الثَّلَاثِ وَمَا فَوْقَهُنَّ، فَضَمَّنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَصْلَيْنِ مَا كَفَّ عَنْ ذِكْرِهِ فِي الْآخَرِ، فَوَجَبَ حَمْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا أَمْسَكَ عَنْهُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي غَيْرِهِ.
الثَّالِثُ: مَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ خَبَرٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ إِيضَاحٍ فِي مَعْنًى آخَرَ، مِمَّا يُعِينُ عَلَى الْمَعْنَى عِنْدَ الْإِشْكَالِ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} (فَاطِرٍ: 10) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعِزَّ أَوْ تَكُونُ الْعِزَّةُ لَهُ؛ لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} (فَاطِرٍ: 10) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ لِمَنِ الْعِزَّةُ، فَإِنَّهَا لِلَّهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (الْمَائِدَةِ: 33) فَإِنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى الْحَالِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي عُقُوبَتِهِ الْمُعَيَّنَةِ، وَأَنْوَاعُ الْمُحَارَبَةِ وَالْفَسَادِ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّمَا اسْتُفِيدَتِ الْحَالُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ عَلَى مَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ، وَالصَّلْبَ عَلَى مَنْ جَمَعَهُمَا، وَالْقِطَعَ عَلَى مَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، وَالنَّفْيَ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ سِوَى السَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ.