وَكَذَلِكَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (الْبَقَرَةِ: 23) أَيْ تَجَاوَزُوا اللَّهَ فِي دُعَائِكُمْ إِلَى دُعَاءِ آلِهَتِكُمْ، الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَيْ لَا تَسْتَشْهِدُوا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا حُجَّةٌ يَرْكَنُ إِلَيْهَا الْعَاجِزُ عَنِ الْبَيِّنَاتِ مِنَ النَّاسِ، بَلِ ائْتُوا بِبَيِّنَةٍ تَكُونُ حُجَّةً عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَهَذَا يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ تَشَبُّثٌ سِوَى قَوْلِهِمْ: اللَّهُ يَشْهَدُ لَنَا عَلَيْكُمْ. هَذَا إِذَا جَعَلْتَ {مِنْ دُونِ اللَّهِ} مُتَعَلِّقًا بِـ (ادْعُوا) فَإِنْ جَعَلْتَهُ مُتَعَلِّقًا بِـ {شُهَدَاءَكُمْ} احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: ادْعُوا الَّذِينَ تَجَاوَزْتُمْ فِي زَعْمِكُمْ شَهَادَةَ اللَّهِ؛ أَيْ شَهَادَتَهُمْ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالثَّانِي: عَلَى أَنْ يُرَادَ بِـ (شُهَدَاءَكُمْ) آلِهَتُكُمْ؛ أَيِ ادْعُوا الَّذِينَ تَجَاوَزْتُمْ فِي اتِّخَاذِكُمْ أُلُوهِيَّةَ اللَّهِ إِلَى أُلُوهِيَّتِهِمْ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: {مِنْ دُونِ اللَّهِ} أَيْ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ يَشْهَدُونَ لَكُمْ أَنَّكُمْ آمَنْتُمْ بِمِثْلِهِ؛ وَفِي هَذَا إِرْخَاءُ عِنَانِ الِاعْتِمَادِ عَلَى أَنَّ فُصَحَاءَهُمْ تَأْنَفُ نُفُوسُهُمْ مِنْ مُسَاجَلَةِ الْحَقِّ الْجَلِيِّ بِالْبَاطِلِ اللَّجْلَجِيِّ. وَتَعْلِيقُهُ بِـ (ادْعُوا) عَلَى هَذَا جَائِزٌ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} (الْبَقَرَةِ: 259) فَإِنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى قَوْلِهِ: {أَلَمْ تَرَ} لِأَنَّهَا بِمَعْنَى هَلْ رَأَيْتَ.