وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي"نُكَتِهِ": قَدْ حَمَلَ بَعْضُ الْمُتَوَرِّعَةِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَامْتَنَعَ مِنْ أَنْ يَسْتَنْبِطَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ بِاجْتِهَادِهِ. وَلَوْ صَحِبَتْهَا الشَّوَاهِدُ، وَلَمْ يُعَارِضْ شَوَاهِدَهَا نَصٌّ صَرِيحٌ، وَهَذَا عُدُولٌ عَمَّا تُعُبِّدْنَا بِمَعْرِفَتِهِ مِنَ النَّظَرِ فِي الْقُرْآنِ وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} (النِّسَاءِ: 83) .
وَلَوْ صَحَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ لَمْ يُعْلَمْ شَيْءٌ إِلَّا بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَلَمَا فَهِمَ الْأَكْثَرُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ شَيْئًا - وَإِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ - فَتَأْوِيلُهُ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى سِوَى لَفْظِهِ وَأَصَابَ الْحَقَّ فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ، وَإِصَابَتُهُ اتِّفَاقٌ، إِذِ الْغَرَضُ أَنَّهُ مُجَرَّدُ رَأْيٍ لَا شَاهِدَ لَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ: الْقُرْآنُ ذَلُولٌ ذُو وُجُوهٍ مُحْتَمَلَةٍ، فَاحْمِلُوهُ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهِ.
وَقَوْلُهُ: ذَلُولٌ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُطِيعٌ لِحَامِلِيهِ، يُنْطَقُ بِأَلْسِنَتِهِمْ. الثَّانِي: أَنَّهُ مُوَضِّحٌ لِمَعَانِيهِ حَتَّى لَا تَقْصُرَ عَنْهُ أَفْهَامُ الْمُجْتَهِدِينَ.
وَقَوْلُهُ:"ذُو وُجُوهٍ"يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مِنْ أَلْفَاظِهِ مَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ جَمَعَ وُجُوهًا مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ.
وَقَوْلُهُ:"فَاحْمِلُوهُ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهِ"يَحْتَمِلُ أَيْضًا وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْحَمْلُ عَلَى أَحْسَنِ مَعَانِيهِ. وَالثَّانِي: أَحْسَنِ مَا فِيهِ مِنَ الْعَزَائِمِ دُونَ الرُّخَصِ، وَالْعَفْوِ دُونَ الِانْتِقَامِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالِاجْتِهَادِ فِي كِتَابِ اللَّهِ.