وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَقَامَاتِ؛ فَانْظُرْ إِلَى مَقَامِ التَّرْغِيبِ، فِي الْقُرْآنِ وَإِلَى مَقَامِ التَّرْهِيبِ، فَمَقَامُ التَّرْغِيبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} (الزُّمَرِ: 53) نَجِدُهُ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْعِبَادِ، وَتَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ.
قِيلَ: وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّهُ أَسْلَمَ عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَنَفَرٌ مَعَهُمَا، ثُمَّ فُتِنُوا وَعُذِّبُوا فَافْتَتَنُوا قَالَ: وَكُنَّا نَقُولُ: قَوْمٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمْ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا أَبَدًا. فَنَزَلَتْ فَكَتَبَ بِهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَيْهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ فَهِمَ قَصْدَ التَّرْغِيبِ، فَآمَنُوا وَأَسْلَمُوا وَهَاجَرُوا.
وَلَا يَلْزَمُ دَلَالَتُهَا عَلَى مَغْفِرَةِ الْكُفْرِ، لِكَوْنِهِ مِنَ الذُّنُوبِ، فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى فَضْلِ التَّرْغِيبِ فِي الْإِسْلَامِ، وَتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ لَهُ لِوُجُوهٍ:
مِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ: {يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} عَامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} (النِّسَاءِ: 48) فَيَبْقَى مُعْتَبَرًا فِيمَا عَدَاهُ.
وَمِنْهَا أَنَّ لَفْظَ الْعِبَادِ مُضَافًا إِلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ مَخْصُوصٌ بِالْمُؤْمِنِينَ؛ قَالَ تَعَالَى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} (الدَّهْرِ: 6) .
فَإِنْ قُلْتَ: فَلَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَالَ التَّرْغِيبِ! قُلْتُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَهُ؛ بِدَلِيلِ سَبَبِ نُزُولِهَا، وَعُومِلُوا هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ مِنَ الْإِضَافَةِ مُبَالَغَةً فِي التَّرْغِيبِ.